.
.
.
.

الأرمن.. الكفاح وصناعة الفن والجمال

محمد ناصر السنعوسي

نشر في: آخر تحديث:

ما إن يقصد أحدنا منطقة الشويخ الصناعية لإصلاح أمر ما في سيارته حتى تأتيه النصيحة من أصحاب التجربة بأن يلجأ إلى من ينتمي للجنسية الأرمنية باعتبارهم أكثر مهارة وإتقان وأمانة، ولقلة عددهم يكون على المرء أحياناً أن يصبر على عملية الإصلاح بضعة أيام. أكثر من نصف قرن مضى على وجود الأرمن في الكويت، صحيح أن وجودهم الأول في البلاد كان بداية القرن العشرين، إلا أن وجودهم الحقيقي يحسب منذ أربعينيات القرن الماضي، وهم يتوزعون في عدد من القطاعات المهنية والحرفية التي يتميزون بها، وكذلك تجارة الذهب والأعمال الحرة، وبحسب الكتاب الذي نشرته وزارة المغتربين في جمهورية أرمينيا حول تاريخ الجاليات الأرمنية في بلدان الخليج، فإن أول أرمني كويتي يدعى هوفاكيميان، وهو أول طبيب أرمني يعمل هنا افتتح مختبراً لتحليل الدم ومنح الجنسية، وتوفي بالكويت ودفن في مقبرة غير المسلمين. والأرمن في الكويت جزء من جاليات أرمنية استوطنت العالم العربي وبالأخص في سوريا ومصر ولبنان والأردن وفلسطين، بل إن معظم الأرمن الوافدين إلى الكويت كانوا من بلاد الشام بالذات، وقد قدر تعدادهم قبل الغزو العراقي بنحو عشرة آلاف شخص، ونتيجة لهجرتهم إلى دول أميركا الشمالية وأرمينيا تقلص هذا العدد كثيراً، وفي كل الأحوال نجح الأرمن في نقل حرفهم ومهنهم إلى أقطار اللجوء في المشرق العربي، وكان الكاريكاتير والتصوير الفوتوغرافي في طليعة المهن التي كان لهم دور ريادي فيها، وما زلنا في الكويت نتذكر «جاك» ذلك المصور الأرمني ذو الحرفة العالية والذي قصدته كثير من الشخصيات والعائلات الكويتية لتصوير بورتريهات متقنة، وقد امتلك محلاً في المنطقة المقابلة لمقر الأمن العام في الخمسينيات قبل أن ينتقل لمحل آخر خلف مستشفى الأميري. وفرت البيئة المستقرة في الكويت لهذه الجالية فرص تعليم أبنائها في الجامعات، فكان منهم الأطباء والمهندسون والصيادلة، وأصبح لهم كنيسة يمارسون فيها شعائرهم الدينية في جو من التسامح والاحترام، وفي رحاب الكنيسة بمنطقة السالمية أنشؤوا مدرسة لتعليم أبنائهم ودرسوا اللغة العربية، وقد ظلت الكنيسة والمدرسة الأرمنية في مكان واحد منذ الستينيات حتى افترقتا عام 1974 بانتقال المدرسة إلى منطقة السرة، ثم انتقلت الكنيسة إلى منطقة سلوى قبل نحو عامين، بينما كان افتتاح سفارة الأرمن في الكويت في عام 2010. تاريخ الهجرة الأرمنية يعود إلى أوائل القرن الرابع مع تقسيم الأمة الأرمنية، واستمرت أزمات هذا الشعب حتى زماننا الحالي، وكان عليهم دوما الاختيار بين العقيدة والاضطهاد.. بين التراث الثقافي والاندماج، والتاريخ يذكر الكثير حول ما تعرض له هذا الشعب من تهجير ومحارق جماعية في عهد الدولة العثمانية مروراً بالتمييز والاضطهاد العنصري من سلطات أذربيجان السوفيتية وصولاً إلى نضاله في ناغورني كارباغ في سبيل حقه المشروع في الأرض والعيش وتقرير المصير. الشعب الأرمني رغم أنه فُرضت عليه شروط غير شرعية وغير إنسانية، وأجبر على الاندماج والتأقلم في وحدة سياسية ليس له علاقة بها، فإن ذلك لم يجعل منهم إرهابيين ينتقمون ويفجرون أنفسهم، بل ظلوا طوال عقود يطلبون العدل وتصحيح الأخطاء التاريخية، ولا يتوقفون عن صنع الفن والجمال وتعزيز مهارة الإتقان والثقة فيهم، وقد نجحوا في تحقيق المعادلة الصعبة بين التأقلم وحفظ الهوية ما عزز من مقولة «أرمينيا أم أنجبت دون أن تربي».​في الدول العربية حافظ الأرمن على تقاليدهم القومية، التي نراها تقاليد شرقية مسيحية بمجملها، وقد حقق الأرمن فيها ريادات مهمة، ونذكر هنا أن أول من أسس جريدة عربية غير رسمية في العالم كله هو رزق الله حسون، وهو أديب سوري أرمني توفي سنة 1855، وفي القيادة عرفنا آرام كارامانوكيان القائد العام الأسبق للمدفعية في الجيش العربي السوري، وبدر الجمالي الذي كان من مماليك مصر ثم أصبح أميراً للجيش في العصر الفاطمي، ونوبار باشا أول رئيس لوزراء مصر والذي يعود له الفضل في إنشاء أول خطوط للسكك الحديد هناك، وما زالت قناة للري في مصر تحمل اسمه «النوبارية»، وسبقه «بوغوص بك بوسيفيان» مستشار محمد علي وفيلسوفه وصديقه المقرب، وقد تولى عدة مناصب منها ديوان التجارة والأمور الخارجية، أما في الفن فنذكر الفنان سلوم حداد، وقائد الفرقة السيمفونية السورية المايسترو ميساك باغبوداريان، والفنانة لبلبة، والمعجزة فيروز، ونيللي ملكة فوازير رمضان، وفنان الكاريكاتير العبقري صاروخان وغيرهم كثير. أرمينيا نموذج لبلد فقد كل شيء، لكنه حافظ على إرادته وعلى وحدة هويته وثقافته حتى نجح في إعادة إنتاج واقعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بتصميم وكفاءة.

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.