بيع وشراء ذمم في البرلمان التونسي!

كوثر زنتور
كوثر زنتور
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

استأنف برلمان تونس أعماله مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الجاري بعد عطلة دامت شهراً، وعادت معه اجواء التوتر والتشنج وايضاً الفضائح المدوية ودعوة القضاء للتدخل والتحقيق اثر تصريح لنائب مستقل أكد فيه تلقيه عرضاً بـ 150 الف دينار تونسي أي ما يعادل تقريبا 50 الف دولار للالتحاق بحزب رفض أن يسميه، وفي نفس اليوم شهدت الجلسة العامة حضور أعوان من الامن الرئاسي داخل القاعة ، في إحدى المرات النادرة التي يدخلون فيها قاعة الجلسات.

نفس المشهد يتكرر في برلمان تونس المنبثق عن انتخابات 2019 منذ جلسته الاولى بشكل جعله في كل مرة يتذيل نتائج سبر الاراء كاحدى أقل المؤسسات الدستورية التي يثق فيها المواطن التونسي وتذهب العديد من القراءات الى حد التشديد على ان التوتر الذي يعيش على وقعه البرلمان اليوم سيتواصل وبحدة أكثر على ضوء الخلافات العميقة التي تشق صفوفه ويمكن تلخيصها في استحالة تشكيل اغلبية برلمانية ( اكثر من 109 نواب من مجموع 217) ، لكن ما حدث مع استئناف أعمال المجلس اصبح محل سخط شعبي بالنظر الى ان المناكافات والمشاحنات تزامنت هذه المرة مع ازمة وبائية خطيرة تنذر بكارثة انسانية.

فقبل العودة البرلمانية بأيام، شهدت البلاد تصاعدا وُصف بالمجنون في عدد الاصابات بفيروس كورونا، تجاوز سقف الـ1000 اصابة يومياً و100 وفاة في أقل من اسبوعين، تطورات فرضت نفسها على أجندة البرلمان الذي خصص جلسته الافتتاحية لمناقشة الوضع الوبائي مع 5 وزراء ورغم أن الحدث جلل فان ذلك لم يمنع النواب من استغلال المناسبة وتوظيفها سياسياً لاسيما أن مثل هذه الجلسات تكون محل متابعة اعلامية واسعة .

انطلق الامر مع رئيس كتلة ائتلاف الكرامة، سيف الدين مخلوف، بوضع صورة للعلم الوطني باللون الاسود كسواد "علم" تنظيم "داعش" الارهابي، مُجددا التنديد بمحاولة اغتيال نائب عن كتلته رغم نفي وزارة الداخلية ذلك وتقديمها حيثيات الاعتداء الذي حصل قبل أسبوع، وقالت انها قامت بإيقاف المعتدين وانهم نفوا معرفتهم بهوية النائب وان الاعتداء عليه بسيف كان بهدف السلب، لكن مخلوف تمسك بالصبغة الارهابية للعملية، زاعماً أن الاعتداء هو نتيجة التأليب على كتلته من قبل الحزب الدستوري الحر، أحد أهم الاحزاب المناهضة للإسلام السياسي.

بعدها، تسبب خلاف جاد بين النائب مخلوف ورئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر عبير موسي في رفع اجتماع رؤساء الكتل. موسي التي تنعت زميلها بمحامي الارهابيين وسبق ان رفعت عليه دعوى، نشرت فيديو من داخل الجلسة اكدت فيه تعرضها لاعتداء لفظي والسبب والشتم من قبل مخلوف منددة بتزوير قالت إنه يهدف لاقتسام المواقع داخل البرلمان على حساب حزبها، ليتواصل الخلاف خلال اشغال الجلسة العامة .

تبادل النائبان الاتهامات بشكل أكثر حدة، وعجز رئيس الجلسة عن التحكم في سيرها ،و مع ارتفاع منسوب التوتر، شوهد أعوان من الامن الرئاسي، في الممر الفاصل بين الكتلتين تحسبا لحدوث اية تطورات من قبيل تشابك وتبادل العنف بين نواب الكتلتين. والمعلوم أن الامن الرئاسي شوهد في مناسبة وحيدة، تقريباً، داخل القاعة كانت خلال جلسة في البرلمان السابق خصصت للمصادقة على قانون يتعلق بالعدالة الانتقالية، بعد ان قال نائب لرئيس البرلمان وقتها: "انا انتحاري ومستعد لقصفكم" .

هذا ما شاهد العيان عبر شاشات التلفزيون وتقنيات البث المباشر عبر هواتف النواب، احدى التقنيات المستعملة بشكل واسع في هذا المجلس ، لكن ما حدث في الكواليس قد يكون اخطر ، استنادا الى تصريح للنائب راشد الخياري قال فيه انه تلقى عرضاً بـ150 الف دينار للالتحاق بأحد الاحزاب وانه رفض العرض. اكثر من ذلك اكد الخياري" أن النائب في هذه الايام ولى غالي برشة" بالعامية التونسية اي انه لم يقر فقط بوجود بيع وشراء كسوق النخاسة، بل واكد بلا حياء أن سعر بيع ذمم النواب في هذه الفترة شهد ارتفاعا بسب التحديات التي عرفها البرلمان.

تحديات تتلخص في معركة افتكاك الاغلبية بمكتب المجلس، الهيكل المخول لادارة شوؤن البرلمان وتحديد اولوياته، وكان اهم سلاح استعان به رئيسه راشد الغنوشي للحسم في عدد من الملفات لصالحه على غرار اسقاط لائحة تصنيف الاخوان المسلمين تنظيماً ارهابياً وبات الرهان اليوم اكبر باعتبار ان مشاريع قوانين هامة سينظر فيها البرلمان، توصف من قبل منظمات عريقة ناشطة في تونس ، بان المصادقة عليها تعني هدم مرحلة الانتقال الديمقراطي برمته.

وتتعلق مشاريع القوانين بتنظيم قطاع الاعلام اقترحه ائتلاف الكرامة، وتقول نقابات القطاع إن تمريره سيدشن عهد تدجين الاعلام وتوظيفه ، وقانون اخر يحمل عنوان الانعاش الاقتصادي وتصفه المعارضة بقانون تبييض الفساد والمهربين، بالاضافة الى مشروع قانون المالية ومشروع ميزانية 2021 وقانون لتعجيل ارساء المحكمة الدستورية.

وفي الواقع لا تعد هذه المرة الاولى التي يتحدث فيها نائب عن بيع وشراء في البرلمان، اذ ان الانحراف الخطير بالعمل البرلماني انطلق مع المجلس التأسيسي ( 2011)، ثم مع برلمان 2014، وتجدد الحديث عن شراء ذمم النواب عشية الجلسة المخصصة للتصويت على سحب الثقة من رئيسه راشد الغنوشي، دون ان يبت القضاء فيها رغم تصريحات متعددة وتبادل الاتهامات طيلة التسع سنوات الاخيرة كما رفض النواب اقرار فصل يمنع ما يسمى بالسياحة البرلمانية .

نقلا عن "النهار" العربي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.