جدّي هو ربّك يا فخامة الرئيس!

مرح البقاعي
مرح البقاعي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

صديقي الشاعر النجديّ المفعم بحب الشام والشعر، وخلال حوار هاتفي تناولنا خلاله همّاً مشتركاً عن حال سوريا الصعب بتعقيداته وشجون أحداثه التي غدت لا تُعدّ ولا تُحصر، أثار في ذاكرتي حادثاً تاريخياً سجّله شاعر سوري هو علامة في تاريخ الأدب والشعري العربي المعاصر، ناهيك عن نبوغه في المواقع الدبلوماسية السورية التي شغلها أثناء عمله في الخدمة الخارجية.

إنه الشاعر والدبلوماسي السوري عمر أبوريشة الذي رحل عنا جسداً، لكن إرثه لم يزل كل طالعة يوم يدّق أبواب الجذالة في الخطاب، والحنكة في السياسة، والبلاغة في الكبرياء والحافز الوطني الذي ميّز أداءه حين تمثيل بلده سوريا في العالم سفيراً أو مبعوثاً حكومياً. وكلما دار التاريخ دورته ليلقي الضوء على شخصيات تركت بصماتها على صفحات منه مضيئة، راودتنا أبياتٌ من مقاماته الشعرية تدور وتدور كدرويش صوفيّ في حرم باحة بيت دمشقي.

قال صديقي “في العام 1961 تمّ تعيين الشاعر السوري عمر أبوريشة في العاصمة واشنطن سفيراً لسوريا إلى الولايات المتحدة. الرئيس الأميركي آنذاك كان جون كيندي الذي عرف عنه ثقافته الواسعة وشغفه بالحضارات الإنسانية في دول ما وراء المحيط الذي يفصل القارة الأميركية عن دول أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. وخلال الاجتماع الأول للشاعر أبوريشة مع الرئيس الأميركي كيندي لتقديم أوراق اعتماده سفيراً لسوريا، سأل كيندي السفير السوري أن يحدّثه عن السوريين ويعرّفه بهم أكثر، فما كان من أبوريشة إلا أن أجابه بلهجة فطنة تمزج بين الخيال الشعري والرصانة الدبلوماسية: فخامَة الرّئيس، جدّنا السوري (يسوع المسيح) هو ربّكم يا سيّدي!”.

تلك العبارة الذكية التي تفوّق فيها أبوريشة في استدعاء التاريخ ليخاطب الرئيس الأميركي خطاب الأنداد، كانت كافية لأن تفتح باباً عريضاً بين الرجلين لصداقة شخصية تجاوزت حواجز الخطاب الرسمي المكرور والجامد إلى فسحة الشعر والأدب والفكر الإنساني العالمي الذي كان ملاذاً للرئيس كيندي ليستمتع بالإنصات إلى نفائسه بصوت الشاعر أبوريشة الذي كان يحفظ الغزير من الشعر الإنجليزي ويتفنّن في إلقائه في مجلس الرئيس؛ وكان كيندي يستزيد في كل لقاء جمعهما من طلب التعرّف إلى العرب وشؤونهم ولغتهم وما اشتهروا به من أدب وبيان شعري وفنون الخطابة.

وفي واحدة من الجلسات الخاصة غير البروتوكولية، قال كيندي لعمر أبوريشة تعبيراً عن شدة إعجابه بما سمع منه من جمال القول والتعبير “أنت مبدع يا عمر، ولو كنتَ أميركياً لعيّنتك مستشاراً خاصاً لي”، فأجاب أبوريشة بحنكته وسرعة بديهته المعهودتين “فخامة الرئيس، لو كنت أميركياً لكنتُ الآن أجلس على كرسيكَ في البيت الأبيض”.

عمر أبوريشة كان واحداً من رجالات سوريين كبار مثّلوا بكل ما يحمل الكبرياء السوري النادر ومظاهره الوطنية الرفيعة، تطلعات بلادهم في السيادة والوحدة والاستقلال تمثيل العاطي وليس الطالب، وحملوا أمانة التعبير عن طموحات وآمال بل وآلام مواطنيهم في المحافل العربية والدولية. والذاكرة السوريّة مسكونة بأسراب من التنويريين السوريين من أمثال شكري القوتلي ونزار قباني وماري عجمي وفارس الخوري ومحمد كرد علي ونازك العابد… إلى آخر قائمة طويلة من الرائدات والرواد في عالم الفكر والسياسة والأدب الذين مثّلوا درّة التاج على رأس التاريخ السوري ما بعد الاستقلال وما قبل الحقبة السوداء للبعثيّة الأسديّة.

هل الوقت حان لوقف النزيف السوري وهل السوريون قادرون إثر عشر عجاف من المجزرة السورية المشرعة على المجهول ورياح المنافي على تقديم من يمثلهم تمثيل الأنداد في مواقع صناعة القرار؟

تلك الباقة العبقة قطفتُها بأناة من أرض غنية بأسماء مئات السوريات والسوريين ممن كانوا وما زالوا يمثلون الهوية الوطنية السورية الخالصة وقد نُسجت بعناية من ألوان الطيف المجتمعي التعدّدي الذي ميّز الموزاييك الإثني والديني والعرقي السوري في مشهد واحد منسجم ومتكافل لم يعرف توجّساً من الآخر أو انغلاقاً عنه قبل أن تعرف دمشق طغيان الحاكم الأوحد المستبدّ، الذي استولى على مقاليد الحكم في انقلاب عسكري قاده حافظ الأسد على الشرعية (على نقائصها) في بداية السبعينات، وأطاح بالحياة المدنية في البلاد، حاملاً معه عقيدة شق الصف وإيقاع الفرقة بين أبناء الشعب السوري الواحد على نهج سياساته العنصرية التي عُرف بها: فرّق تَسُد.

في العام 1971، ومع خضوع العاصمة دمشق لأجهزة القمع تحت تهديد سلاح “فرانكو” الشام، أيقن عمر أبوريشة أن لا مكان له في التشكيلات السياسية ما بعد انقلاب الأسد، وقد أطلق عليها في حينها اسم “العصابة”، فما كان منه إلا أن تقدّم باستقالته من السلك الخارجي السوري، الذي أمسى مطية لأفراد صغار من المرتزقة والتابعين.

واللافت في سيرة أبوريشة إثر خروجه من الحياة السياسية أنه لم يختر العودة للعيش في الولايات المتحدة التي خبرها عن قرب وصادق عليّة القوم فيها من سياسييها ومفكّريها بحكم مواهبه وكفاءاته، بل اختار أن يتابع حياته وينهيها في المملكة العربية السعودية لما مثّلت له تلك الأرض المقدسة من كبرياء اللغة العربية ورنّة التاريخ التليد.

مضت خمسة عقود ونيف على لقاء أبوريشة والرئيس كيندي، وبينما رحل الرجلان عن عالمنا فقد علّمنا ذاك الشاعر السوري الوسيم كيف يكون الخطاب الندّي أقصر الطرق لبناء الثقة والاحترام بين الأفراد أولاً، والشعوب ثانياً، مهما كانت الفروق المادية والاقتصادية كبيرة بين الأطراف المتحاورة؛ فجسر الحضارة الذي يقوم على دعائم التاريخ واليقين به، والكرامة الإنسانية واعتناقها، كان الطريق الأقصر بين قصيدة الشاعر السوري النبيل ووجدان رئيس الدولة الأقوى في العالم.

في العام 2020، وإثر سلسلة الجرائم التي يرتكبها الدكتاتور الوريث لأحقاد أبيه حافظ الأسد، يطلق الرئيس الأميركي على بشار الأسد لقب “الحيوان” بعد أن شهد العالم استعماله للسلاح الكيميائي في قتل المدنيين العزل من أبناء شعبه، ذاك الشعب السوري العظيم الذي جدّه وحامل صليبه على درب الجلجلة هو ربّ الرئيس ترامب أيضاً.

فهل حان الوقت لوقف النزيف السوري؟ وهل السوريون بقادرين، إثر عشر عجاف من المجزرة السورية المشرّعة على المجهول ورياح المقابر والمنافي، على تقديم من يمثّلهم تمثيل الأنداد في مواقع صناعة القرار لإنهاء عقود من حكم عائلة الطغاة؟ أتساءل.

نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط