العروبة تفقد أحد فرسانها

محمد الرميحي
محمد الرميحي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

برحيل أمير دولة الكويت المرحوم الشيخ صباح الأحمد الذي وافته المنية الأسبوع الماضي، تفقد العروبة فارساً من فرسانها الكبار. لقد كانت نظريته في السياسة الحفاظ على الأوطان العربية صلبة ومنيعة من خلال التوافق، لأن أي خلل في أحدها سوف يستدعي خللاً في الجوار. تلك النظرية نابعة من فكرة أصيلة لديه وهي أن بقاء الكويت بعيدة عن المزالق، هو من بقاء الجسم العربي صحياً ومتماسكاً.

قضى في العمل السياسي الخارجي نصف قرن، وفي قيادة الكويت سبعين عاماً، منفرداً أخيراً ومشاركاً من قبل، ولكن البوصلة لديه لم تتغير. لم يهتز كثيراً عندما فقد ابنه يافعاً في الثانية عشرة في حادث سير، قال: "ذلك من تصاريف القدر وما يجري على الإنسان"، لكنه كان مرتين في وضع نفسي وشخصي غير مسبوق، الأولى عند هزيمة عام 1967 التي كانت بالنسبة اليه كارثة لأنه توقع تأثيرات تداعياتها على السياسة العربية وعلى الجسم العربي لعقود طويلة، والثانية، والتي ظل صامتاً بعدها أياماً لا يقول شيئاً، هي مفاجأة الاحتلال العراقي للكويت فجر الثاني من آب (أغسطس) 1990.

كان وقتها قضى سنوات يتنقل من دولة الى أخرى ومن عاصمة الى الثانية إبان الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات يشرح الأمر للعالم ويحاول جهده لأن يدفع المجتمع العالمي للتدخل لإنهاء تلك الحرب العبثية التي كان يرى نتائجها السلبية، ومن ضمنها الحدث الجلل احتلال الكويت، والذي لم تنته آثاره بعد، إذ أصبح العراق مشرعاً لكل من تسوّل له نفسه التدخل في شؤونه.

قضى الراحل جل حياته السياسية في رأب الصدع، مع ما يتطلبه ذلك من رحابة صدر واستعداد للحوار. من الملف اللبناني حيث تحارب الإخوة في الوطن، الى الملف اليمني حيث تصدع المجتمع اليمني من دون أفق لنهاية. آمن بأن الشقاق والخلاف والاحتراب في أي مكان في العالم العربي، تمهد لا محالة لنتيجتين: خراب الأوطان والتدخل الأجنبي، وثم استقواء بعض الأطراف في الوطن على بعضهم الآخر بذلك التدخل، وهو استقواء لا يمكن أن يدوم لمصلحة طرف. فمصالح الخارجي تتناقض آجلاً أو عاجلاً مع المصالح الوطنية.

من حرب الشرق والغرب الباكستانية في سبعينات القرن الماضي، الى حرب اليمن الأخيرة منذ سنوات، الى الخلاف الخليجي الخليجي، كان دأبه أن (الصلح خير) وأن الاختلاف يجب ألا يذهب الى الخلاف، لأن الأخير يستنزف الطاقات ويعطل آمال الشعوب. لم تكن نظرته الى العروبة نظرية، يكفي أن استشهد ببعض ما كتبه دبلوماسي يمني في دفتر التعزية أخيراً في إحدى سفارات الكويت: "اليوم أتيت الى السفارة لأعزي فيك، لا بصفتي دبلوماسياً، ولكن بصفتي مواطناً يمنياً درس في المدارس التي أنشأتها الكويت ثم أكمل في الجامعة التي بنتها الكويت وتعالج في المستشفى الذي شيدته الكويت، ومشى في الطريق الذي عبّدته الكويت ...". لقد نظر صباح الأحمد الى للتنمية على أنها عضيدة الاستقرار في الوطن الكبير.

اذا نظرنا الى الوضع العربي اليوم، فبعض مشاهده أكبر من كارثية، من كان يتخيل أننا سوف نسمع عن (تبادل أسرى) في ما بين اليمنيين، أو في ما بين الليبيين. وهل يمكن إن سارت الأمور الى التدهور أن نسمع بتبادل أسرى بين الفرق المتحاربة في دول عربية أخرى؟ أليس للعروبي الصادق والمؤمن بعروبته، وبشكلها الطبيعي، أن يحتار، بل ويتألم! كما كان يتألم صباح الأحمد في السنوات الأخيرة. هكذا يترك رجل العروبة الدنيا وعروبته مشتبكة بعضها ببعض، ويسيل من جسمها الدم في مكان، وفي مكان آخر تفقد المدن المزدهرة رونقها تحت الغبار الكثير من دخان الحرائق والتفجيرات والكثير من التكاذب السياسي، وتفتقر شعوب حباها الله في أرضها بكل الخيرات الى أبسط مقوّمات الحياة. يا له من مشهد عبثي.

تدخل الكويت من بعده في مكان يرجو لها كل المحبين أن تبقى فيه على تلك السيرة، سيرة التوازن والاعتدال والسعي الى الصلح وتقديم الحكمة على الشطط، ولها في مؤسساتها الكثير من الدعم وفي رجالها ونسائها ما يمكن أن يعتمد عليه لإكمال المسيرة في عالم يزداد اتجاهاً الى عالم الغاب ويختل فيه معيار الصواب. ويتمثل ذلك في الكثير من السياسات التي نراها شاخصة أمامنا وفي مجملها شقاق داخلي في معظم مجتمعات العالم، لم تسلم منه بلاد عربية إلا في ما ندر. عالم على المستوى الدولي تتغير ملامحه وعالم عربي مضطرب. حتى المؤسسات الإقليمية لم تعد لها قدرة على الفعل، ولو في حده الأدنى، فهي كما في المؤسسات الدولية تتراخى قبضتها، حتى على المبادئ الأخلاقية العامة، وتهتز. إنه عالم أكثر ما يبدو منه عدم ظهور اليابسة، فكل في بحر مظلم.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.