.
.
.
.

"الإخوان" ومحاولة اغتيال عبد الناصر... انكر انكر حتى تصدق نفسك

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

دبرت "جماعة الإخوان المسلمين" محاولة اغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر بليل في 26 تشرين الأول (أكتوبر ) من عام 1954، ولكنها نفت علاقتها بمحاولة الاغتيال في اليوم التالي، ومسحت يدها من الجريمة رغم ثبوت كل الدلائل التي تؤكد علاقتها بالتخطيط والتنفيذ، وهو ما أثبت قدرتها على تزييف التاريخ في وضح النهار.

اعتادت الجماعة عبر منابرها الإعلامية نفي هذه الجريمة رغم أن المتهمين كانوا أعضاء في النظام الخاص أو الذراع العسكرية للجماعة، سواء من قام بتنفيذ العملية، وهنا نقصد محمود عبداللطيف، أم من المحرضين على عملية الاغتيال وهم، هنداوي دوير وعبدالقادر عودة، وهما من خططا لعملية الاغتيال مع شركاء أخرين.

ارتكن "الإخوان" في إنكار العملية إلى عدم تصديق رواية أحد العمال التي نشرت في صحيفة "الأهرام"، كبرى الصحف المصرية آنذاك، من أن، خديوي آدم، وجد المسدس الذي استخدمه محمود عبداللطيف في اليوم التالي لمحاولة الاغتيال الفاشلة، ما حدا به إلى السفر من الإسكندرية التي شهدت وقائع محاولة الاغتيال إلى القاهرة سيراً على الأقدام لتسليم أداة الجريمة للرئيس جمال عبدالناصر، وهو ما حدث في مقر مجلس قيادة الثورة.

يقول "الإخوان" عبر أدبياتهم إنهم ليسوا في حاجة لاغتيال عبد الناصر، فالحارس الشخصي له إسماعيل الفيومي، كان من "الإخوان المسلمين" وقد عرض ذلك ورفضته القيادة، وبالتالي الجماعة كانت قادرة على تنفيذ عملية الاغتيال من دون أي جهد، فضلاً عن قدرتها على تنفيذ عملية الاغتيال بشكل آمن... هذه الرواية مصدّرها "الإخوان" من دون غيرهم. ورغم ذلك أذاعوها في كل مكان وصدّروها في كل كتبهم التي نشروها بعد ذلك، والأعجب أنهم اعتبروها وثيقة دالة على تزييف عبد الناصر واقعة محاولة الاغتيال.

اعتراف مطلق النار

نفى "الإخوان" منطقية الرواية التي أجمع كل الناس عليها، من أن الرئيس تم استهدافه من خلال إطلاق النار عليه في ميدان المنشية في الإسكندرية، رغم اعتراف المجرم بارتكاب الجريمة وعلاقته بالتنظيم وبذراعه العسكرية، الذي تورط في عشرات العمليات المسلحة ضد المصريين، واعترافه التفصيلي على المحرضين وهم قادته في النظام الخاص، وهنا نشير إلى هنداوي دوير، والقيادة العامة للتنظيم وهنا نقصد عبدالقادر عودة، وللمفارقة أن هنداوي كان يعمل محامياً في مكتب عودة.

ثابت من وثائق الجماعة، أن محمود عبداللطيف، وقف في المركز العام لـ"الإخوان المسلمين" يتباهى بضرورة التخلص من الرئيس جمال عبد الناصر، كما أن إطلاقه الرصاص أمام جموع المواطنين في الاحتفال يؤكد الجريمة ويحول دون تمثيلها، فكيف للرئيس أن يُعطي سلاحاً نارياً لرجل من "الإخوان المسلمين" ومن النظام الخاص أو الذراع العسكرية للجماعة ويأمن جانبه حتى لو اتفق معه على تمثيل ذلك؟ بخاصة أنه أطلق الرصاص بالفعل وأنها أصابت مرافقيه ومات بعضهم بهذه الرصاصات الطائشه.

وكان يُعرف عن المجرم أنه يُصيب هدفه من الطلقة الأولى، وأنه حصل على جوائز ونياشين تؤكد قدرته على إصابة الهدف من دون جهد أو عناء، وكان "الإخوان" وعبد الناصر في حالة عداء في ذلك الوقت وقد سبق محاولة الاغتيال قرار بحل التنظيم في آذار (مارس) من العام ذاته.

النفي ثم النفي

استمر "الإخوان" في نفي الرواية رغم الإجماع عليها وقبولها من حيث المنطق والعقل والمقدمات والنتائج. ورغم اعتراف قادة "الإخوان المسلمين" بالجريمة نفسها، فقد اعترف د. يوسف القرضاوي، الأب الروحي للجماعة بعدها بعقود في مذكراته "ابن القرية والكتّاب"، بأن "الإخوان" هم من نفذوا جريمة محاولة الاغتيال من خلال خليّه تابعه لهم وذكر الأسماء المشار إليها سابقاً، إلا أن الجماعة ما زالت تتحفظ وتؤكد أن محاولة الاغتيال مجرد مسرحية هدفها اغتيال التنظيم نفسه!

فرغم نفي أحمد رائف، الملقب بمؤرخ "الإخوان"، إلا أنه عاد واعترف بمسؤولية الجماعة عن محاولة اغتيال عبد الناصر، و الاعتراف نفسه أدلى به أحد قيادات الجماعة الوسيطه عصام تليمة.

نجح "الإخوان المسلمون" عبر آلتهم الإعلامية في اخفاء الجريمة السياسية أو على الأقل التشكيك في جريمة الاغتيال نفسها، حتى تولى الرئيس أنور السادات الحكم بعد وفاة عبد الناصر ثم قتل بعملية أخرى لم يُقدر لها أن تفشل، قامت بها الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر وتنظيم الجهاد الإسلامي.. وقد أرتبطت نشأة الجماعتين بالمناخ الذي وفرته جماعة "الإخوان المسلمين" التي مثلت حاضنة للتنظيم الوليد في منتصف السبعينات من القرن الماضي.

الرصاصات التي حاول "الإخوان" توجيهها للرئيس جمال عبد الناصر تزامنت مع كلماته "سنحتفل معكم بعيد الحرية بعيد الجلاء..بعيد العزة". وهنا أُطلقت الرصاصات الطائشة التي ضلت طريقها إلى قلب عبد الناصر حتى تستقر في قلوب كل المصريين.. جريمة "الإخوان المسلمين" لا يمكن قراءتها في سياق محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس أو زعيم رغم ثبوتها، ولكن في محاولة إخفاء معالم الجريمة رغم ثبوت الأدلة وإعدام الخلية المسؤوله عن التخطيط والتنفيذ.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.