أين تقف فرنسا من التطورات اللبنانية الأخيرة؟

فارس خشّان
فارس خشّان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

محرّكات الرئاسة الفرنسية، بكل ما يختص بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، مُطفأة.
اقتراحها الأخير كان ما بادر إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الصنوبر في بيروت. خطوتها الأخيرة كانت المؤتمر الصحافي الذي عقده ماكرون وهاجم فيه الطبقة السياسية اللبنانية، موزّعاً على كل طرف فيها، ما يتحمّله من مسؤولية العرقلة، بحيث نال "الثنائي الشيعي"، بسبب إصراره على تسمية الوزراء الشيعة في الحكومة، النصيب الأوفر.
ومنذ وضع ماكرون مبادرته، في عهدة اللبنانيين، لم يُحرّك ساكناً. إلتفت الى قضايا دولية أخرى تحتل الأولوية على جدول أعمال بلاده، مثل العلاقات المضطربة مع الصين وروسيا وتركيا وبيلاروسيا، لتعود فتأخذ الحرب الأرمينية-الأذربيجانية الحيّز الأوسع.
وضع ماكرون الملف بكامله في عهدة وزارة الخارجية، في ظل إعادة هيكلة الوحدة الدبلوماسية في الإليزيه -لأسباب إدارية لا شأن لها مطلقاً بالملف اللبناني كما يتوهّم البعض- مع تعليمات واضحة: راقبوا القوى اللبنانية، فإن أظهرت، فعلاً وليس قولاً، أسفها على ما اقترفته بحق المبادرة الفرنسية، أبلغوني بالأمر. إن بقيت هذه القوى حيث هي في الدعم اللساني وفي العرقلة الميدانية، إحصروا اهتمامكم بتحقيق ما وعدت به اللبنانيين، لجهة الإستمرار في دعم إعادة إعمار بيروت ومرفئها، بعدما التدمير الذي لحق بها في الإنفجار المزدوج في الرابع من آب(أغسطس) الأخير.
ومنذ تلك الساعة، وفي المناسبات النادرة التي أُثير فيها الموضوع اللبناني، كانت الأدبيات الفرنسية واضحة: مبادرتنا على الطاولة، فإن ساروا بها فعلوا خيراً لبلادهم، وإن لم يسيروا بها فليتحمّلوا مسؤولية رمي بلادهم في الجحيم، وذلك أمام الناس وأمام المجتمع الدولي.
ومنذ تلك الساعة أيضاً، لم تبق قوة سياسية رئيسة إلّا أن أعلنت تمسكّها بالمبادرة الفرنسية. لكنّ ذلك لم يحرّك سكون قصر الإليزيه، لأنّ المسؤولين عن المتابعة، عندما دخلوا الى التفاصيل، وجدوا أنّ هذه القوى لا تزال واقفة عند نقاط العرقلة. كلّ يريد أن يأخذ المبادرة في اتجاه مصالحه وطموحاته و"رؤاه".
"الثنائي الشيعي" يحتل المرتبة الأولى في هذا السياق. الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله كان واضحاً جداً، في إطلالته السياسية الأخيرة: "نحن من نسمّي وزراءنا. لن نسمح لأحد أن يأتي لنا بشخص هو شيعي على الورق".
الرئيس سعد الحريري لا يزال يحتل المرتبة الثانية. يعرف أنّ ترشيح نفسه لترؤس "حكومة المهمة" التي تقترحها المبادرة الفرنسية من شأنه أن يخلق ألف مشكلة ومشكلة، ويعيد الواقع الحكومي في البلاد، ولو بطريقة مموّهة، إلى ما كانت عليه قبل 17 تشرين أول(أكتوبر) 2019، كما أنّ الحريري يُدرك أنّه لم يكن مقبولاً لترؤس "حكومة المهمة" عند انطلاق المبادرة في قصر الصنوبر، فـ"حلفاؤه" رفضوا ذلك في ظل غياب أي دعم له، سواء من السعودية أو الولايات المتحدة، كما أنّ "التيار الوطني الحر" كان واضحاً في تأكيده أنّه إذا عاد الحريري لن يخرج هو من الحكومة.
يتفهّم الإليزيه معادلة الحريري التي تقوم على قاعدة مفادها ان "زعيم بيت الوسط" يتساوى، بما يملكه من مشروعية وشرعية سنيّة، مع رئيسي الجمهورية ومجلس النواب ميشال عون ونبيه برّي، ولكن الواقع لا يساعد الحريري على تطبيق معادلته هذه، لذلك طلب منه ماكرون أن يكون، في مرحلة "حكومة المهمة"، صانع الملك.
يحق للحريري أن يشعر بالإجحاف، ولكنّ الواقعية السياسية طالما ارتكزت إلى الإجحاف، كما هي الحال بالنسبة الى سلاح "حزب الله" المسكوت عنه وعن أدواره، وتناسي مطلب اعتقال محكوم عليه بجرم إرهابي كبير، بسبب قوة حُماته، والمساهمة بإيصال رئيس جمهورية يفتقد بشكل كامل الى صفات الحَكَم، والمساهمة في الانتخابات النيابية بتضخيم حجم من نعرف أنّه خصم، على حساب من كان قد أثبت أنّه حليف، وغير ذلك الكثير الكثير.
وخلافاً لكل التسريبات الإعلامية، فإنّ قصر الإليزيه، لم يتفاعل إيجاباً مع اقتراح رفعه الرئيس نجيب ميقاتي، أي تشكيل حكومة تكنو-سياسية، لأنّ هذا الإقتراح الذي يدخل الطبقة السياسية الى الحكومة من خلال "وزراء دولة"، لا يتماشى مع روحية المبادرة الفرنسية التي تريد لحكومة المهمة أن تكون مختلفة، كليّاً عن كل الحكومات التي أوصلت لبنان الى ما وصل إليه، وأن تكون أيضاً، نقطة التقاء بين الطبقة السياسية المتمسكة بدورها، من جهة وبين "الحراك الشعبي" المتمسك بوجوب التخلّص منها، من جهة أخرى.
إذن، الرئاسة الفرنسية لن تتدخل في تشكيل الحكومة في ظل المعطيات الراهنة. هذه مسؤولية الطبقة السياسية اللبنانية، فإذا اعتقدت بأنّ لديها مخارج يمكن أن تقودها الى تنفيذ جدول الأعمال المتفق عليه، لجهة الإصلاحات الملحّة، كما لجهة جذب الدعم العربي والدولي، فلتسِر بهذه المخارج، على الرغم من أنّ ماكرون لا يعتقد، في ضوء ما لديه من معطيات دقيقة، بجدواها. بالنسبة لباريس، إنّ جوهر الموضوع واضح وضوح الشمس. تريد أن يأكل اللبنانيون عنباً لا أن يقتل لهم أيّ كان الناطور.

في هذا الوقت، ثمة اقتراح وضعه مخضرمون في الحقل العام، وصل الى عدد من المسؤولين اللبنانيين، من شأنه أن يوفّق بين "هواجس" الطبقة السياسية على اختلافها، من جهة وبين المبادرة الفرنسية بكامل بنودها، من جهة أخرى.
يقوم الإقتراح على أن يتم تشكيل "حكومة مهمة"، وفق ما جرى الاتفاق عليه في قصر الصنوبر، على أن تشكّل القوى السياسية ما يشبه "هيئة الإنقاذ الوطني".
ويشير الإقتراح الى أن "حكومة المهمة" تعمل من أجل تنفيذ البرنامج الإصلاحي الوطني، في حين تضمن القوى السياسية أدوارها في "الهيئة" التي تنكب، بما لها من وزن وتأثير، على معالجة المواضيع التي تهمها في السياسة والأمن وخلافها.
لكن هذا الإقتراح ينام في الجوارير.
وسبق أن نام الإقتراح الذي قدّمه الرئيس نجيب ميقاتي، مؤخّراً، لسنوات في الجوارير، وحين جرى سحبه كان وقته قد فات.
ويُخشى أن يلقى الإقتراح الأخير الذي يزاوج بين "تطلعات" القوى السياسية وبين مندرجات "المبادرة الفرنسية" المصير نفسه، أي أن يتمّ تقديمه يوم تكون الظروف قد تجاوزته.
ثمة شعور من المرارة في باريس. لقد فعل الرئيس إيمانويل ماكرون ما اعتبرته الإدارة الأميركية تحديّاً لخطة "الضغط الأقصى" التي تطبقها ضد إيران وملحقاتها في المنطقة، وعقد اجتماعين مع ممثل "حزب الله" وأصرّ على فصل الجناح السياسي عن الجناح العسكري للحزب، ولكن لم يحصد سوى الخيبة، فلغة "العصا" كانت أجدى من لغة "الجزرة"، إذ إنّ الحزب أسقط تحفظاته، بالتزامن مع إسقاط المبادرة الفرنسية، عن بدء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بوساطة أميركية، لترسيم الحدود البحرية بين البلدين.
لقد "تمرّد" حيث أخذ، و"رضخ" حيث دفع. "خيّب" من أعطاه، و"أرضى" من أخذ منه.
وشعور المرارة هذا يسحب نفسه على غالبية اللاعبين السياسيين الآخرين الذين أدخلوا فرنسا من الباب، وأخرجوها من الشبّاك.
وعليه، فإنّ فرنسا ستعيد الملف اللبناني الى مساره التقليدي.
في وقت قريب، ستكون في اجتماع تعقده "المجموعة الدولية لدعم لبنان" حيث البعد الإصلاحي لا ينفصل عن البعد السياسي، فخلاص لبنان، وفق هذه المجموعة، يوازن بين تنفيذ الإصلاحات من خلال حكومة موثوق بها، وبين تنفيذ لبنان للقرارات الدولية ومن بينها القرار 1559، كما لتعهداته السابقة ومن بينها "إعلان بعبدا".
والقرار 1559 و"إعلان بعبدا" يعاديهما "حزب الله" وتهملهما، من أجل إرضائه، الطبقة السياسية اللبنانية.
وأرجأت باريس، بالإتفاق مع "الأمم المتحدة" الاجتماع الثاني للدول الداعمة للبنان الى يوم لم يُحدّد، بعد، في شهر تشرين ثاني(نوفمبر) المقبل من أجل الإنتقال الى المرحلة الثانية الهادفة الى توفير الأموال اللازمة لإعادة إعمار مرفأ بيروت وكل ما دمّره انفجار المرفأ في الرابع من آب( أغسطس) الأخير.
وكان الاجتماع الأوّل قد انعقد، بعد أربعة أيّام، على انفجار المرفأ وجمع مساعدات تصل الى مائتين وخمسين مليون دولار أميركي.
ويُعتقد بأنّ هذا الاجتماع قد أرجئ لما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستجري في الثالث من تشرين ثاني (نوفمبر) المقبل.
وفي الإنتظار، فإنّ لبنان معلّق على خشبة وجميع من فيه يقترع على ثوبه.

نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.