.
.
.
.

تسريب رسائل هيلاري كلينتون والمشروع الكارثي الكبير...

محمد صلاح

نشر في: آخر تحديث:

هل هناك أي شك في تورط إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في العمل على إسقاط دول ومجتمعات عربية؟ بالطبع لا مجال للنفي، فإدارة أوباما ذاتها أقرت بأدوارها في إطلاق ذلك الربيع العربي وتحفيزه وتوجيه رموزه ودعم منفذيه.

كان المخطط يقوم على إشاعة الفوضى في الدول العربية المستهدفة، فدعمت وموّلت واخترقت وجنّدت واستخدمت كل الوسائل لتحقيق الهدف. لم ينكر أوباما نفسه ورموز إدارته المخطط، لكنهم دائماً أطلقوا تفسيرات مغايرة ورسموا صوراً وردية للمجتمعات العربية بعد الفوضى.

الصورة الآن أمام الجميع، ونتائجها الكارثية شاهدة على المخطط... سقطت دول وقسمت مجتمعات وانهارت جيوش وأكلت الحرب الأهلية أجساد وأرواح آلاف العرب، لذلك حين قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع السرية عن البريد الإلكتروني لوزيرة خارجية أوباما، هيلاري كلينتون وصار متاحاً معرفة تفاصيل أخرى وردت في 35575 رسالة عبر الإيميل موزعة على 1779 صفحة، كل صفحة فيها 20 (إيميل) عدا آخر صفحة وفيها 15 (إيميل) اكتملت الصورة التي سعى إليها الحزب الديموقراطي الأميركي و "الإخوان المسلمين" وبعض الناشطين التابعين لهم، فأضيفت المعلومات التي وردت في رسائل بريد الوزيرة الأميركية السابقة الى تلك التسريبات التي كانت ويكيليكس كشفتها قبل سنوات، فأصبح العالم مطلعاً على عدد كبير من الفضائح لمخطط "الإخوان" وقطر مع إدارة أوباما لتدمير العالم العربي وجرائم اليسار الأميركي المتطرف.

قالت كلينتون في إحدى رسائلها: "حذرتُ وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل من إرسال قوات درع الجزيرة إلى البحرين عام 2011، لأن ذلك قد يُسبب أزمة بين أميركا والسعودية؛ ولكن الأمير سعود أغلق الهاتف في وجهي، وتم إرسال القوات إلى البحرين لحمايتها".

وذكرت كلينتون أن السعوديين لم يعودوا يثقون بنا في أخذ مصالحهم في الاعتبار أو لحمايتهم من أعدائهم. بعد ما حدث في كانون الأول (ديسمبر) 2002 عندما أقدمت الولايات المتحدة على غزو العراق وكانت السعودية تعارض ذلك بشدة.

لكن الموقف السعودي تجاه أعاصير الربيع العربي والتصرفات الأميركية كان ظهر علناً أمام العالم عندما سافر الأمير سعود الفيصل إلى دول أوروبية عقب ثورة الشعب المصري ضد حكم "الإخوان" في حزيران (يونيو) 2013 ليؤكد دعم السعودية خيار الشعب المصري واستعدادها تعويض مصر عن أي أضرار قد تتعرض لها جراء الضغوط الأميركية... ولا يفوّت الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أيضاً فرصة من دون أن يشرح ويوضح ويؤكد الدور السعودي وأيضاً الإماراتي في حماية الثورة المصرية، والتصدي لمحاولات إفشالها للإبقاء على "الإخوان" وحمايتهم، وبعدها خلص السيسي كما قال باللهجة المصرية: "مش أي حد يعمل ده لأن مش أي حد يوقف قدام قوى كبرى"...

ومنذ هبّت أعاصير الربيع العربي على المنطقة تحولت دول عربية، وبدعم من إدارة أوباما، إلى مساحة يومية في وسائل إعلام غربية لا تخفي غضبها من صمود شعوب ضد الإرهاب والثورات والفوضى. لم يكن الهدف البحث عن المعلومات ونشرها أو بثها، أو تحليل السياسات والقرارات وطرح رؤى وأفكار، وإنما تضليل المجتمعات وتفتيتها وبث الفتن فيها وإفسادها. وقتها كان من الطبيعي أن يقفز السؤال إلى الأذهان: لماذا تكره بعض وسائل الإعلام الغربية دولاً عربية كالسعودية ومصر والإمارات والبحرين ولا تنشر مواد أو مقالات عنها إلا إذا كانت سلبية، أو قُل مؤذية؟

ترامب كشف النقاب عن "إيميلات" كلينتون التي تفضح تورطها وتآمرها على الشرق الأوسط والخليج. هي مسألة معروفة، لكن كان الاعتقاد سائداً في أن الإدارة الاميركية تدعم وتوجه وتنفق وترسم الخطط، فكشفت التسريبات أنها أيضاً كانت منغمسة في التفاصيل، الى درجة الإشراف على ما تبثه القنوات التلفزيونية، ووضع الحلول اذا ما تعرضت قناة أو أكثر للإغلاق أو إلى مشكلات تقنية، وواحد من "الإيميلات" كشف عن مشروع قطري لإنشاء قناة "إخوانية" بتمويل قدره 100 مليون دولار بإشراف نائب مرشد "الإخوان" في مصر خيرت الشاطر.

المعلومات تفسر لماذا تحول استهداف السعودية أو مصر أو الإمارات أو البحرين بواسطة الإعلام الغربي والقطري والتركي إلى سلوك يومي مستمر لا يتوقف، هدفه توجيه الأذى إلى الدول الأربع، لكون شعوبها تقف ضد الطموحات التركية والأحلام القطرية والمساعي "الإخوانية".

اعتقدت إدارة أوباما أن نشر الفوضى يفتح لها المجال للقيادة والتحكم والهيمنة، وكان لدى حكام قطر مشاعر حقد تجاه دول أخرى حققت ذاتها وتفوقت وحظيت بتقدير العالم واحترامه. أما "الإخوان"، فحدّث ولا حرج عن أوهام ظلت تغازل قادة الجماعة وعناصر ذلك التنظيم لحكم مصر والانطلاق منها إلى بقية الدول العربية، لكن الحلم تبّخر وتحول كابوساً كبيراً من دون أن تتمكن الجماعة من تجاوز محنتها، بعدما وجدت مصر عوناً ودعماً ومساندة من السعودية والإمارات والبحرين.

كل شيء كان مخططاً، إذ إن قطاعاً من الإعلام الغربي تحول ذراعاً في أيادي "الإخوان" ومعولاً تستخدمه تركيا وناراً تشعلها قطر، لتحقيق الأهداف نفسها التي سعت إدارة أوباما الى تحقيقها.

أما السؤال عن مدى استفادة إدارة اوباما من تفشي الإرهاب في المنطقة العربية ونشر الفوضى فيها، فالإجابة عنه بين سطور مشروع الشرق الأوسط الكبير ونظرية الفوضى الخلاقة التي ما زالت مؤسسات وجهات أميركية تؤمن بها، ووسائل إعلام ومراكز بحثية في الولايات المتحدة ودول أوروبية تحاول إحياءها بعد موتها، أو حتى الاستفادة من بعض بنودها لتحقيق مصالح ضيقة.

اللافت أن مؤسسات إعلامية أميركية وغربية، ظلت تحظى على مدى سنوات باحترام جمهورها وتقدير متابيعها، نفذت الأجندة الأميركية في عهد أوباما من دون أن تخجل وهي ترى العاملين فيها يسيرون خلف المنصات الإعلامية القطرية، واللهث وراء القنوات التركية، أو تستحي حين تظهر أخبارها كاذبة أو تقاريرها مزيفة أو موادها مفبركة... وبعدما كانت الجامعات والأكاديميات تستعين بـ"الكود" الأخلاقي والمهني لتلك المؤسسات لتطبيقه والاستفادة منه، صارت تعرضه باعتباره نموذجاً سيئاً ورديئاً يجب تجنبه، وتفادي الوقوع فيه، تماماً كما عرف العالم كل تلك التفاصيل عن مشروع كارثي تبنته الإدارة الأميركية لكنه فشل وأدى إلى دمار عظيم!

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.