.
.
.
.

لماذا ساءت العلاقة بين خامنئي وروحاني؟

جمال عبيدي

نشر في: آخر تحديث:

نظراً لتردي الأوضاع الاقتصادية في إيران وعدم قدرة الحكومة على الوفاء بتعهداتها والتزاماتها، داخلياً وخارجياً، وكذلك رفض المرشد و"الحرس الثوري" قيام الرئيس حسن روحاني وفريقه الحكومي بالتفاوض مع الإدارة الأميركية الحالية لإنقاذ النظام الإيراني المتهالك اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، زادت حدة الخلافات بين المسؤولين في طهران إلى درجة أن المرشد علي خامنئي وفي لقاء متلفز له مع طلبة الجامعات العسكرية، يوم الإثنين الفائت في 12 تشرين الأول (أكتوبر)، وصف من يتحدثون عن العقلانية والعقل بالجبناء والمنفعلين والهاربين من أمام العدو! مضيفاً، أن الهروب والخوف من العدو، ليسا من العقلانية بشيء!

وصفُ المرشد هذا، فُهم في المشهد السياسي الإيراني على أنه رسالة موجهة إلى الرئيس حسن روحاني. ما عزز من هذه الفرضية هو حديث الأخير، أو بالأحرى رده، الذي جاء بعد يومين فقط من حديث خامنئي في جلسة لمجلس الوزراء، حيث قال روحاني "إن أعظم انتصارات الرسول (مُحَمّد)، أتت في ظل السلام مع أهل مكة، وهي أكثر من مجمل انتصاراته في ميادين الحروب". وأضاف روحاني، "أن مُحَمّداً متى ما كان قادراً على دخول حرب، فإنه كان يدخلها، ومتى ما رأى أن العدو أقوى منه، فإنه كان يأمر بالصلح!". وفي معرض حديثه أيضاً، قال روحاني أنه عندما اعترض أصحاب الحسن بن علي بن أبي طالب على الصلح الذي أبرمه مع معاوية، قال لهم الحسن، إن الأمة الإسلامية ليس أنتم العشرة فقط، فإني قد ذهبت إلى الجامع لأخطب بالناس ورأيت بأم عيني كيف أن الأكثرية كانت مع الصلح، وبما أن الناس كانت مع الصلح، فإنني اخترت الصلح.

رد حسن روحاني هذا على ما يبدو أنه قد أغضب القائمين على صحيفة "كيهان" الناطقة باسم المرشد. ففي افتتاحية عددها الصادر في الخامس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، تصدر صفحتها الرئيسية مقال بعنوان "يتوقع الناس عملاً لا تشويهاً للتاريخ!"، قالت الصحيفة فيه مخاطبة الرئيس روحاني: "إن صلح الإمام الحسن كان نتيجة لخيانة النخبة! والمقصود هنا، حسن روحاني وفريقه الحكومي، الذي يعارض توجهات المرشد ويصر على التفاوض مع الإدارة الأميركية! متهمةً حسن روحاني بتحريف التاريخ بما يتماشى مع سلوك الحكومة!

خروج هذه الخلافات إلى العلن واستخدام المنابر الإعلامية لإطلاق التلميحات والتصريحات، بما فيها الجارح منها، بين المرشد و"الحرس الثوري" من جهة، وحسن روحاني وفريقه الحكومي من جهة ثانية، هي في الواقع نتيجة طبيعية لما آلت إليه الأمور في البلاد من انسداد سياسي فاقمه شلل اقتصادي كامل وعجز لدى مؤسسات الدولة كافة، الحكومي منها والخاص، عن الوفاء بالتزاماتها ودفع رواتب موظفين وعمال لم يتسلموا مستحقاتهم منذ أشهر!

كما أن الضغوط التي يمارسها الأصوليون و"الحرس الثوري"، وعلى رأسهم المرشد، على حكومة الرئيس حسن روحاني، قد يكون الهدف منها أولاً، التهرب من مسؤولية ما قد يحصل في الأيام المقبلة من اضطرابات واحتجاجات معيشية، وبالتالي تحميل أسباب ما آلت إليه أوضاع البلاد إلى حسن روحاني. وأما ثانياً، لأهداف سياسية انتخابية ترتبط برغبة التيار الأصولي ("الحرس الثوري") بالحصول على منصب رئاسة الجمهورية. وفي هذا الإطار، فإن المرشد علي خامنئي، يعتقد أنه لا ينبغي البحث عن حل لمشكلات البلاد الاقتصادية وأزمتها المعيشية في الخارج، بل هي بنظره مشكلات داخلية ويجب على المسؤولين أن يجدوا الحلول لها. والقصد هنا، إدارة الرئيس حسن روحاني للبلاد، وفشل حكومته في تحسين الظروف المعيشية للمواطنين. فيما يعتقد الأخير، أن السبب الرئيس للتدهور الاقتصادي والمعيشي للبلاد هو عدم قبول المرشد و"الحرس الثوري" بالدخول في عملية تفاوض مع الولايات المتحدة (إدارة ترمب)، عدا عن طريقة التعامل مع الإدارة الأميركية.

وفي هذا السياق، كان قدم وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قبل أسابيع عدة، اقتراحاً للتفاوض مع الإدارة الأميركية. فظريف يعتقد أن دونالد ترامب، ولكي يفوز بولاية ثانية، هو حاجة لإبرام اتفاق مع إيران، وإذا ما وافقت طهران على التفاوض معه، قد تملي شروطها عليه، وقد تحصل بلاده على امتيازات لم تكن لتحصل عليها إذا ما فاز الديموقراطيون في الانتخابات الرئاسية المقبلة. إلا أن هذا الاقتراح رفض رفضاً تاماً من قبل المرشد وقادة "الحرس الثوري" الذين ما زالوا يئنّون على مقتل قائد "فيلق القدس" ورفيق دربهم قاسم سليماني في بغداد!

هذه الخلافات والتباين بين المرشد ورئيس الجمهورية في إيران، تعيدنا إلى العلاقة التي كانت لطالما تتدهور في نهاية كل عهد رئاسي بدءاً من الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، الذي أوصل علي خامنئي إلى منصب ولي الفقيه في إيران ليصبح الآمر الناهي في البلاد، والذي وجد مقتولاً في أحد المسابح في شمال العاصمة، مروراً بمحمد خاتمي، الإصلاحي الذي حصد 20 مليون صوت في الانتخابات الرئاسية والذي وصف نفسه في نهاية المطاف بأنه كان مجرد موظف لا أكثر ولا أقل. ومن ثم محمود أحمدي نجاد، الذي فضله المرشد على هاشمي رفسنجاني في أكثر من مناسبة ودافع عنه دفاعاً شرساً في حوادث 2009 والتي عرفت بالـ"حركة الخضراء" بعدما زورت الانتخابات الرئاسية لصالحه، ليصفه بعد ذلك التيار الأصولي في نهاية رئاسته ومن معه من الفريق الحكومي بـ"التيار المنحرف". وأما الرئيس حسن روحاني، الوجه البشوش لرجال الدين والذي وصف بـ "المعتدل"، فبات اليوم يُنعت من قبل المرشد و"الحرس الثوري" والتيار الأصولي بالجبان والكذاب وغير الكفؤ في إدارة البلاد.

هذا التداخل والتعارض في الصلاحيات بين المرشد والرئيس مردّه بنية النظام السياسي القائم الذي يجيز للمرشد التحكم بشؤون البلاد كافة وخضوع كل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية له، وبالتالي، فإن أي رأي آخر في شؤون البلاد سيصبح ثانوياً، حتى ولو كان من رئيس الجمهورية. ولهذا، يجد الأخير نفسه وبعد أشهر من انتخابه، بأنه فاقد للصلاحيات بل مجرد موظف يعمل في بيت المرشد، لكن في المقابل تكون توقعات الشارع منه أكبر بكثير من سلطته الفعليه. واللافت هنا، أنه حتى إذا ما ذهب المرشد الحالي وجاء بديل عنه، فإن هذا التناقض سيبقى قائماً ما لم يتغير الدستور الإيراني الذي يعطي المرشد الصلاحيات المطلقة في البلاد!

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.