.
.
.
.

العلاقات العربية - الإسرائيلية وتخفيف الصداع الاستراتيجي للمنطقة

علي الخشيبان

نشر في: آخر تحديث:

عندما نتحدث عن تاريخ المواجهات بين الدول العربية وإسرائيل فنحن نتحدث عن عدة حروب تكررت منذ منتصف القرن الماضي وخسائر هائلة، هذه الحروب والمواجهات خلفت وراءها نتائج سياسية وعسكرية وثقافية ساهمت في صناعة خيارات التفكير السياسي العميق لفهم هذا الصراع وتوجيهه، فبعد كل حرب عربية - إسرائيلية تفتح الفرص ويتدخل العالم للوقوف في منطقة وسط بين المتنازعين حفاظا على المقدرات وتحقيقا للتوازن من أجل مساعدة الفرقاء لتحقيق السلام وإيقاف تلك الحروب التي تنتهي دائماً إلى نتائج معتادة يخسر فيها أحد الأطراف مكتسبات كان يمتلكها. وعندما نستعرض السبعة عقود الماضية والصراع العربي - الإسرائيلي نجد أن النتائج توزعت بين الآثار العسكرية والسياسية والآثار الثقافية والآثار الاجتماعية، وهذا بطبيعة الحال ما تم انعكاسه وبشكل سريع على كل فرد في المنطقة سواء كان عربيا أو إسرائيليا، فخلال أكثر من سبعة عقود مضت تشكلت ثقافات مفتوحة سمحت للكثير من الاتجاهات الفكرية أن تنشأ، وتم استخدام الكثير من الأفكار القومية والأيديولوجية والعروبية والعقدية والسياسية، وهذه الاتجاهات كانت تضع مصالحها في المقدمة قبل القضية الفلسطينية نفسها، وهذا ما شتت التركيز حتى من قبل القيادة الفلسطينية خلال العقود الماضية.

لقد أصبحت القضية تتمسك بالمسارات المتاحة أمامها بوعي سياسي مرتبك، فالقوميون يرغبون في حل القضية الفلسطينية وفقا لمفهومهم الخاص، والمؤدلجون كذلك، والمتطرفون عروبياً ودينياً، ولذلك ظهر مصطلح شديد التعبير عن هذه الأفكار وانتشر خلال العقود الماضية وركز هذا المصطح على فكرة (أن تحرير القدس يمر عبر البوابة الفلانية أو العاصمة الفلانية)، وهنا مكمن التحول الخطير الذي عاشته الأجيال السابقة، وهذا ما شتت القضية الفسطينة وجعلها المسبب الأكبر للصداع الاستراتيجي في المنطقة، فحتى إيران غير العربية صنعت لها طريقا مختلفا للوصول إلى القدس عبر العواصم العربية، وهذه من أكبر الأفكار المخادعة التي أفقدت القضية الفلسطينية والحوار العربي - الإسرائيلي منهجياته الصحيحة. لو تتبعنا التاريخ لوجدنا أن خيارات السلام مع إسرائيل قبل الحروب معها كانت تقوم على مبادئ قُدمت فيها للعرب وللفلسطينيين حلول ذات فائدة كبرى للقضية والسلام في المنطقة، ولكن عندما تشتت المسارات الفكرية وتنوعت القوى التي تعتقد أنها تدافع عن القضية الفلسطينية، وترغب في حلها تشتت الخيارات وأصبح الوصول إليها مستحيلا وكانت الخيارات الدائمة في الفكر العربي تقوم على أن الحرب هي الخيار الوحيد، مع أن العرب خسروا أربع حروب كبرى مع إسرائيل فماذا جنت هذه الفكرة حتى اليوم؟، أعتقد أن الخيارات المتاحة اليوم مهما كانت قاسية فلن يلجأ الجيل العربي الجديد إلى نفس الأفكار السابقة.

السؤال الثاني يقول: هل خيار السلام العربي مع إسرائيل مضر أم مفيد للمنطقة في هذا التوقيت؟، لا أعتقد أنه من المنطق أن تكون الهزيمة الفكرية الدائمة هي من يقرر أن خيار السلام مع إسرائيل خيار محسوم النتيجة بشكل سلبي، كما الحروب الأربع الكبرى مع إسرائيل، حتى القيادات الإسرائيلية تدرك أن خيارات السلام بينها وبين العرب سترسخ فكرة تاريخية مهمة تقول بحق فلسطيني وآخر إسرائيلي مشترك للعيش بسلام بغض النظر عن الكيفية التي تنفذ بها هذه الفكرة، التي يجب أن تخضع لمتطلبات المرحلة والظروف والواقع.

السلام العربي - الإسرائيلي سوف يخلق قاعدة مهمة تؤكد حق إسرائيل في الوجود وأن تنعم بعلاقات وسلام دائم في المنطقة، يرتبط وبشكل كبير في إيجاد حلول مناسبة للشعب الفلسطيني، وهذا ما يؤكد أن وجود إسرائيل وفلسطين خيار يستحيل تجاوزه، بل إن العلاقات العربية - الإسرائيلية سوف ترسخ هذا المبدأ بدعم عالمي، لأن الدول العربية إذا ما طبعت مع إسرائيل فسوف تؤكد أنه تم إغلاق جميع أبواب الخيارات الإسرائيلية للتصرف بشكل منفرد مع القضية الفلسطينية.

السؤال الأخير يقول: من الأكثر حاجة إلى ذلك الانفتاح في المنطقة هل هم العرب أم إسرائيل؟، من يعتقد أن هناك طرفا مستفيدا وطرفا خاسرا في مثل هذه العلاقات فهذا تصور ناقص، والانفتاح الاقتصادي والسياسي بين دول المنطقة لن يكون متحيزا لكفة إسرائيل أو العرب وحدهم، ومن المحتمل وبشكل كبير أن تكون العقود القادمة عقودا تقدم بها إسرائيل التنازلات أكثر من أي وقت مضى، وهذا ما سوف يخفف الصداع الاستراتيجي وبشكل كبير في المنطقة؛ لأن الحوار بين العرب وإسرائيل سوف يصب في مصالح مباشرة لكل طرف.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.