.
.
.
.

أنا مع ترمب

مشاري النعيم

نشر في: آخر تحديث:

في حقيقة الأمر لا يحمل هذا المقال أي ميول سياسية تجاه الرئيس الأميركي ترمب، وإن كنت أتمنى فوزه في الانتخابات القادمة، فالذي نعرفه خير من المجهول خصوصاً في السياسة الأميركية الوعرة والمعقدة، خلاصة القول: إن عنوان المقال يشير إلى المناظرة الأخيرة بين المرشحين للرئاسة الأميركية "بايدن" و"ترمب"، حيث أشار "بايدن" في حديثه أن 4 ملايين منزل في أميركا ينتظرها كثير من التطوير كي تصبح نوافذها أصغر وذلك توفيراً للطاقة، على أن الرئيس "ترمب" وصف هذا التوجه بالأخرق، وقال: إنها سياسة سوف تصيب الناس بالاكتئاب، وستحجرهم في أقفاص داخل جدران بيوتهم، والوصف الأخير من تفسيري، ويرى أن مسطحات الزجاج الكبيرة مهمة جداً في المساكن، ولها تأثير نفسي عميق على السكان، في البداية يجب أن أقول: إن طرح موضوعات مرتبطة بالعمارة ومقتضياتها، وتأثيرها النفسي والاقتصادي في مداولات السباق على الرئاسة الأميركية، يؤكد ما لهذه الموضوعات من أهمية كبيرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المستوى العالمي، وهذا ما لفت انتباهي وانتباه الصديق فؤاد الذرمان (من شركة أرامكو) الذي قال: إن الموضوع يستحق الطرح والتحليل خصوصاً بعد تجربة كورونا التي تنحاز بشكل صارخ لرأي "ترمب".

مسألة مسطحات الزجاج في العمارة خصوصاً في عمارة الصحراء القاحلة ذات المناخ الصعب هي مسألة قديمة جداً، وأذكر أنني عندما كنت طالباً في كلية العمارة في منتصف الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، كانت القضية التي تشغل الدارسين في المملكة، في ذلك الوقت، هي مساحة فتحات المباني التي كان الجميع يدفع بأن تكون صغيرة حتى لا تدخل حرارة تزيد من صرف الطاقة، ولعل من ينظر للمباني التي بنيت في تلك الفترة سوف يلاحظ ظاهرة الفتحات الصغيرة التي اعتبرت أحد علامات العمارة الإقليمية في المملكة واستجابة ذكية للبيئة، على أنه سرعان ما بدأ الملل يدب في أوصال هذه الفكرة التي تحبس الإنسان عن الاستمتاع بالخارج، والتي لم تحث على التفكير في حلول خارج صندوق ردة الفعل المباشرة نحو ما تفرضه الصحراء من ظروف مناخية قاهرة.

أنا مع "ترمب" في رأيه حول أهمية وجود مسطحات زجاجية تضمن تواصل سكان المنزل في الداخل مع الخارج، لأن التاريخ والتجربة الإنسانية المعمارية حول العالم أثبتا ذلك، أنا مع رأي الرئيس الأميركي لأن الإنسان بحاجة إلى النور والمشاهدة والتواصل مع الطبيعية، فقد كانت فتحات النوافذ في بيوتنا قديماً صغيرة، لأنها كانت مشرعة على السماء في عمقها الداخلي، فالأصل في العيش هو الخارج وليس الداخل، وظهور المنشأة المعمارية هو من أجل الحماية وليس من أجل العزل عن الطبيعة، وبالتالي فإن تطور العمارة الإنسانية من الانغلاق إلى الانفتاح صاحبه تطور كبير في تقنيات الزجاج، وكان رأي الجيل المتأخر من المشتغلين بالعمارة أنه بدلاً من أن نعطي الطبيعة ظهورنا، دعونا نتعامل معها ونطور تقنيات تتوافق مع معطياتها، فكان أن تطورت صناعة الزجاج العازل المرشح لأشعة الشمس، حتى أصبح تأثير الفتحات الزجاجية في أقل مستوى لها منذ عقود، وهذا التطور ما هو إلا بداية، لما بعدها سنشهدها في السنوات المقبلة.

إذاً التحدي يصنع الاستجابة، ومواجهة الطبيعة الصعبة تولد حلولاً ذكية، وبدلاً من أن نخاصم الطبيعة يفترض أن نصادقها ونتعامل معها بعمل منفتح، لا أعتقد أن أحداً من القراء ينكر أن بيوتنا أدارت ظهرها للحياة عندما أدارت ظهرها للخارج، فتحولت إلى صناديق خرسانية أشبه بالسجون منها لأماكن لممارسة الحياة، التواصل مع الخارج لا يتوقف عند الضوء والمشهد المفتوح، بل يمتد كذلك إلى التواصل الاجتماعي وبناء علاقات على مستوى المكان الاجتماعي، إنه نوع من صناعة المكان الخلاق الذي يرحب بالحياة ولا يتخاصم معها.

يحق لي إذاً أن أكون مع "ترمب" فهو رجل "متعقل معمارياً" على الأقل، يعي قيمة الاستقرار النفسي والاجتماعي للسكان وليس فقط الوفر الاقتصادي، حسابات العمارة لا تكون فقط من خلال الاقتصاد، وهذا ما يجعلني دائماً متوجلاً من السياسات الإسكانية التي تطلقها وزارة الإسكان، لأنها لا تضع الاعتبارات الإنسانية والثقافية والنفسية في مرتبة عليا، مقارنة بالحسابات المالية التي تقوم عليها أغلب خططهم، ربما هم بحاجة إلى أن يسمعوا رأي الرئيس الأميركي مرة أخرى، لأنه نابع من تجربة معايشة لحاجة الناس وليس فقط مسايرة التكلفة المالية لبناء وتشغيل المسكن.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.