.
.
.
.

بدعة الهالوين ومواجهة الفكرة بالفكرة

العنود المهيري

نشر في: آخر تحديث:

لو كنت قد قلت لأمي "الإماراتية جداً" إني أرغب في ارتداء زيٍ مخيفٍ، لأخرج في ظلمة الليل جائبةً الأحياء والأزقة، وطارقةً على أبواب الغرباء، لشككت في صحتي العقلية، فهذه ـ لعمري ـ مدعاةٌ لتلبّس الجان!
أجهل كيف ومتى إذاً تسلل إلينا هذا الهالويين، وبات يستسيغه جيلي الذي لم يترعرع على نحت اليقطين وتزيين المنازل. فحتى مطلع القرن الحالي، لم نعرف سوى "حق الليلة"، وهي مناسبةٌ إماراتيةٌ محليةٌ تُقام مع انتصاف شهر شعبان. يخرج الأطفال، في النهار غالباً، فالخروج ليلا مدعاةٌ لتلبس الجان كما أسلفت، طالبين الحلوى والسكاكر.

ومن المفترض بهم ترديد ترنيمةٍ لطيفةٍ تقول "أعطونا الله يعطيكم، بيت مكة يوديكم"، ولكن الطمع في أصابع "تويكس" أفسد النفوس، فلم نعد نسمع سوى الطَّرقات النزقة على الجرس.
ثم كما لو أن ذلك حدث فجأةً، أصبح الشباب يترقبون الـ31 من تشرين الأول (أكتوبر) بعدما كان مجرد يوم آخر في الروزنامة. تكتظ المحال المتخصصة في بيع مستلزمات المناسبات، ويبدأ التباري لاختيار الملابس التنكرية والمكياج الملائم.

وبالطبع، هوجم الهالوين وانتُقد. فهنالك من تسلحوا بالخطاب الديني الإسلامي لهدم هذه البدعة، مشددين على أن احتفالاتنا تقتصر على عيدي الأضحى والفطر. وهناك من نددوا بما تعنيه هذه الاحتفالات من تبعيةٍ كليةٍ للغرب، وتهديدٍ لهويتنا المميزة، وقبولنا بأن تصبغنا فرشاة العولمة بلونها الباهت.
كما مررت بآراءٍ غريبةٍ بعض الشيء ترسم صلةً بين احتفالات هالوين وطقوس عبادة الشيطان. وهذه مدعاةٌ أخرى، بالطبع، لحدوث تلبّس الجان الذي حذّرت منه أمي.

وإن كان الأوروبيون باتوا يشكون سطوة الثقافة التي يصدّرها "العم سام" إليهم برغم تقاربهم، فما بالكم بسطوتها علينا؟ استشعروا قهر فينشينتزو دي لوكا، رئيس حكومة إقليم كامبانيا الإيطالي، حينما خرج عن دبلوماسيته ليصف الهالوين بـ"الغباء الأميركي الضخم الذي جلبناه إلى بلدنا".

هل فات الأوان على إعادة الهالوين في "صندوق باندورا"، خصوصاً بعدما وصلت احتفالاته إلى فصول مدارسنا وقاعاتها، واحتلت ذاكرة الأطفال مزاحمةً الاحتفالات الشعبية؟
ربما. لا أدري.

ولكن كل ما أتمناه هو أن نستمر في مقارعة الفكرة بالفكرة من دون أن ننزلق نحو القمع والتجريم، كما تنادي شريحةٌ عريضةٌ من الناس. لنسخر حججنا، لا أذرعنا وأشرطتنا الحمراء، لمحاربة التماهي الثقافي مع الآخر، والتحوّل إلى "تقليدٍ صينيٍ رخيصٍ" منه.

وصدقوني، لا أتحدث انطلاقاً، فحسب، من كراهيتي الشخصية لمفاهيم المنع والحظر، وتحسّسي المرضي من التعدي على الحريات.
ولكن براغماتياً، لا شيء يشي بالانهزامية المذلة، ويفضح انعدام القدرة على التصدي للغزو الفكري، بقدر الاضطرار إلى بناء هذه الجدران الفعلية بيننا وبين مهددات هويتنا. إن الناشئ الذي يلج "نتفلكس"، ويضحك على "الميمز"، ويفهم المصطلحات العامية المرتبطة بثقافة "الراب والهيب هوب"، قادرٌ على اشتمام خوفكم، وضعف حيلتكم.
انهارت الجدران بالفعل، فحصّنوا الشعوب من دون فقدان احترامها.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة