.
.
.
.

سُرَّاقُ الدين وأزمة المتدينين!

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

أي قراءة متأنية لواقعنا العربي ندرك أن هذه المجتمعات تعيش أزمة حقيقية صنعها هؤلاء المتدينين أو الملتحفين برداء الدين، وهنا أزمتنا في الوصف ليست مع الدين الإسلامي ولا مع أي دين آخر، فالأديان جميعها لها كامل التقديس والاحترام والاعتزاز، ولكن الأزمة المشار إليها مع أولئك الذين استخدموا الدين استخداماً لا يليق بجلاله ولا بعظمته... وهنا نريد أن نضع الدين موضعه الحقيقي إيماناً منا بضرورة وجوده في حياة البشر كمنظم لهذه الحياة واعترافاً منا بقداسته.

سرقوا الدين عندما تآلهوا على الله تعالى، فتحدثوا عنه وشرّعوا بدلًا منه، ونصّبوا أنفسهم خلفاء عنه، هو في السماء وهم في الأرض! وبذلك سرقوا ما لم يكن لهم، وباسم الإله سرقوا أيضاً حياة النَّاس، ولما العجب فمن سرق شريعة الله سرق حياة النَّاس، وتلك هي أزمة الإسلاموية في بلداننا العربية، فهم بذلك أضاعوا الدين والدنيا معاً.

فإذا أردنا أن نتحدث عن نكبة تعرض لها الإسلام، فأعظمها تلك التي مُني بها من الداخل من أناس ادعوا أنهم حُماته، بينما هم في الحقيقة من سرقوه، هم سر نكبته وضياع هيبته في الوقت نفسه، فكل السهام التي وجهت إلى الإسلام كانت ممن يدَّعون أنهم يحملون لواءه ولكن الحقيقة كانوا بمثابة الخنجر الذي طُعن به الإسلام في ظهره.

نقولها صراحة إن الأزمة ليست في الدين وإنما في المتدينين، هؤلاء دائماً ما يُشهرون سلاح العداء للإسلام في وجه كل من ينتقدهم أو يُظهر صورتهم الدميمة، يَلجأ هؤلاء إلى القراءات الخاطئة للنصوص الدينية وتطويعها بما يخدم أهدافهم غير النبيله... هؤلاء خاصموا العقل والمنطق والشرع في قراءة هذه النصوص، فقط تصالحوا مع أهوائهم التي تُحركهم في اتجاه القول بما تريده أنفسهم.

يتمتع دائماً سارقو الدين بسلطوية تحيد بهم عن دلالات النص الديني، فلا يرون إلا اجتهادهم الخاطئ، بل يمنعون الاجتهاد على غيرهم في الوقت الذي يُسرفون في الاجتهاد بما يتماهى مع أهوائهم، والبعض الآخر وقف عند حدود النص الديني فغابت عنه الرؤية الشاملة، هؤلاء ظلموا النص الديني معهم.

هؤلاء لم يُخاصموا العقل فقط، بل خاصموا النقل أيضاً، فلا العقل أتوه ولا النقل بنوه، وهذا هو انحطاط المشروع الفكري لهؤلاء المتدينين، قائم على الهدم سواء للثوابت الدينية التي فهمت خطاءً أو للدلالات التي لم تستوعبها عقولهم.

دعاة الإسلام الحركي أو السياسي يمثلون قمة سلم سُرَّاقُ الدين، هؤلاء الذين طوعوا كل شيء في الدين لخدمة أهدافهم وأغراضهم، بل وأعطوا لأنفسهم حق التوجيه والإرشاد من خلال نصوص في الغالب تم تفسيرها في شكل مُجتزأ وخارج سياقها، هؤلاء هم أخطر على الإسلام من عدوه الذي ناصبه العداء في العلن، لأنه يبدو للمسلمين أن هؤلاء هم الدعاة بينما هم، إن جاز أن نطلق عليهم لفظة الدعاة، فهم دعاة الهدم، وحكمنا هنا مستقره الأساسي بأنهم أتوا في الدين ما ليس فيه، سرقوا الدين من معانيه التي أرادها الله ومن أجله شرّعه.

التوظيف السياسي هو أولى سمات هؤلاء السُرَّاق، يمكن أن تلمحهم من استخدامهم السياسي الدائم للدين، فهم يطوعون الدين دائماً من أجل مشروعهم السياسي، وفرق شاسع بين من يضيف القيم الدينية على السياسه، وبين من يُطوع الدين ذاته لخدمة مشروعه السياسي، ثم يخرج على الناس مزيفاً الحقيقة بقوله مثلاً: نصف الدين سياسه، فكيف نترك نصفه الأول بينما لا يمكن فهم النصف الثاني إلا إذا أخذنا بالنصف الأول، وهذا هو التزييف.

هؤلاء السُرَّاق يتعاملون بمنطق "لا شريك لهم"، هؤلاء يرفضون أن يُشاركهم غيرهم في الأخذ بالدين وهذه مفارقة عجيبة، ولعل هذا يُفسر الخلاف الدائم بين تنظيمات الإسلام السياسي نفسها، فكلٌ منهم يعتبر نفسه من دون غيره هو المرجعية الدينية التي لا بد أن يأخذ منها الآخر!

كما يرفضون أن يُشاركهم غيرهم، وقد يكون مرجع ذلك أنهم بذلك يفقدون الخاصية التي من خلالها يُطوعون أحلامهم ورؤاهم، بحيث لا يمكنهم الحديث باسم الدين وسط آخرين يُنافسونهم على ما امتلكوه، ويصير الأمر نفسه على المختلفين معهم، فهؤلاء يرونهم أنهم يزاحمونهم السلطة باسم الدين أيضاً.

هؤلاء السُرَّاق يرفعون شعارات رنانة ولكنها مجرد شعارات لا تتعدى حناجرهم ولا الماء الذي كتبت به، هؤلاء كذبوا على الله والنَّاس أيضاً، صحيح هذه الشعارات تخدع البعض لبعض الوقت ولكنهم لا يستطيعون خِداع النَّاس لكل الوقت، فتبدو خبيئتهم واضحة وتنكشف نواياهم وأهدافهم سريعاً، فلا تدوم سرقة ولا يهرب سارق العمر كلها.

أزمة مجتمعاتنا العربية في التدين الشكلي أو المزيف، فكلاهما خطف الدين وسرق آيات الله ونصوصه، ولا يمكن أن نتحدث عن مواجهة للتطرف في هذه المجتمعات أو نُلفت النظر إلى سُرَّاق الدين من دون أن نقرأ الواقع قراءة دقيقة بما يُحتم علينا التشخيص الصحيح لأزمة هذه المجتمعات، حتى يمكن مواجهة هذا التدين السلبي والخروج بالنص الديني مخرجاً يليق به كما أراد المشرع، فإذا فعلنا ذلك نجحنا في حماية مجتمعاتنا من شرور هؤلاء المتدينين ونجحنا في حماية النص الديني في الوقت نفسه.

ما نود قوله إن العدو الداخلي هو الخطر الأكبر الذي يواجه مجتمعاتنا، هذا العدو قد يكون أشخاصاً وقد يكون أفكاراً، وبالتالي المواجهة الحقيقية لا بد أن تبدأ من الداخل، فإذا نجحنا في مواجهة الداء من الداخل صحت الأعضاء وحسُن أداؤها بصوره كبيرة ووقفنا بذلك أمام سُرَّاقُ الدين والوطن والعمر.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة