.
.
.
.

طرائف قطرية!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

معرفتى بدولة قطر تعود إلى ثلاثة عقود مضت عندما طلب أمير قطر، الشيخ خليفة بن حمد آل ثان، من الرئيس حسنى مبارك أن يمده بمستشار سياسى وآخر عسكرى للمعاونة فى مواجهة الأزمة التى بدأت فى الثانى من أغسطس ١٩٩٠، عندما غزت العراق دولة الكويت الشقيقة، وبدا الأمر ساعتها أن حربا سوف تقع، وأن أمن دول الخليج لن يكون أبدا كما كان. رشحنى الرئيس مستشارا سياسيا واللواء فؤاد هويدى مستشارا عسكريا، ووصلنا إلى الدوحة فجر يوم ٢٢ أغسطس لكى أبدأ مهمة كان مقررا لها شهران، لكنها استمرت ثلاثة أعوام، بعدها عدت إلى مصر لأن الأمير فقد عمليا منصبه، ولأننى كنت مرشحا لقيادة مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. القصة لها جوانب مثيرة، ولكن ما يهمنى الإشارة له أننى وجدت شعبا شقيقا محبا لمصر والمصريين الذين كانوا يمارسون بناءهم للدولة القطرية فى مجالات التعليم والقضاء والتعمير فى أشكال مختلفة. كانت بصمات المصريين واضحة على الدولة، حيث كان سابقى السفير حسن يوسف دبلوماسيا مصريا قديرا قيل لى إنه هو الذى وضع دعائم الدولة الحديثة فى قطر. ولم يمض رمضان قضيته هناك إلا وكانت الخيام المنصوبة تجرى تحت أسماء ليالى الحلمية وقصر الشوق والسكرية وبين القصرين. كانت آخر زياراتى للدوحة فى عام ١٩٩٧ عندما ذهبت للمشاركة فى - وصدق أو لا تصدق - برنامج «الاتجاه المعاكس»، وكان الموضوع، كما هو اليوم، عن «السلام والتطبيع» بين العرب والإسرائيليين. مضى أكثر من عقدين على ذلك، ولكن قطر باتت دولة أخرى ربما لا تختلف كثيرا فى هياكلها الرئيسية، مساحتها لا تصل إلى ١٢ ألف كم٢، وعدد سكانها لا يصل إلى ٣ ملايين نسمة، أقل من ١٢٪ منهم من القطريين. الدولة بالمناسبة شبه جزيرة لا يوجد لها حدود برية إلا مع السعودية التى صبرت على قطر بوساطة مصرية فى عام ١٩٩١ عندما حاولت الدوحة دفع الحدود عند «الخفوس» بضعة كيلومترات إلى الداخل السعودى.

ما يدهش بعد عقود مما جرى، الحالة القطرية الحالية من الغل الذى يقطر سما تجاه مصر سواء كان ذلك فى قناة الجزيرة العامة أو المخصصة لمصر، أو القنوات الإخوانية والمواقع الإلكترونية التى ترعاها فى إسطنبول ولندن. الطرافة فى الموضوع أن الإعلام القطرى يرفع شعارات واتهامات ليس لها علاقة إطلاقا بالحالة القطرية ذاتها، والتى تاريخيا وجغرافيا وواقعا ليس لها علاقة بما يقال. المؤكد أنها ليست ضد «الإمبريالية» الأمريكية وهى تقدم قربانا قدره ٤٥ مليار دولار استثمارات فى الولايات المتحدة. والمؤكد أيضا أنها ليست ضد التطبيع أو السلام مع إسرائيل وهى التى تقيم التفاهمات بين حماس وإسرائيل على وقف إطلاق الصواريخ مقابل تقديم الكهرباء إلى غزة وتوسيع نطاق صيد السمك فى البحر المتوسط، وكل ذلك بتمويل قطرى. والمؤكد ثالثا أن قطر ليس لها كثير فى قضية القومية العربية لأنها لم تترك ساحة عربية أو بلدا عربيا دون اقتناء للإرهابيين فيه أو بث الفرقة بين فصائله المختلفة. الأكثر من ذلك طرافة أن قطر ليست لا بلدا ليبراليا ولا ديمقراطيا وهى تستضيف كافة الفصائل الإرهابية لديها، أو المتحدثين باسمهم، وتقوم بالوساطة بينهم وبين الدول الغربية للتسوية أو إطلاق الرهائن.

ما يجعل الطرافة تقف عند حدها الأقصى يجرى فى تناول الانتخابات المصرية، سواء كانت لمجلس النواب أو مجلس الشيوخ. الدعاية القطرية تبدأ من فكرة مقاطعة الشعب المصرى للانتخابات، ثم بعد ذلك نكتشف ذهاب الشعب المصرى للانتخابات لكى يحصل على الرشاوى المالية. المقدمون جميعهم يتحولون إلى خبراء فى الدستور والقانون المصرى ويتساءلون مع مستشارين من الإخوان الذين هم فى إسطنبول أو فى الاستديو عن مخالفات لا يعرفون أنها إذا حدثت فإنها سوف تقدم فيها بلاغات أو يقدم فيها طعون، كما يحدث فى دول كثيرة فى العالم. الدهشة كلها تأتى من أن قطر ليس فيها لا برلمان ولا انتخابات ولا نقابات ولا جمعيات أهلية ذات شأن تقريبا، اللهم إلا جمعية الهلال الأحمر القطرية. قطر لا تعرف شيئا عن الصحافة الحرة إلا تلك التى تواكب فقط سب ولعن الدول الأخرى، وكلما كانت هذه الدول عربية أو مصر خاصة أو السعودية والإمارات على وجه التحديد فإن ذلك مفضل. الطريف أن المدعوين للشهادة، سواء كانوا من الجماعات المصرية داخل مصر أو خارجها، لا أحد يسأل الأسئلة البديهية عن ذلك النظام العظيم للانتخابات المطبق فى الدولة القطرية، والمجالس التى تقوم على الشأن القطرى بسيط القدر والأهمية.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.