التكفير جريمة

عبدالمحسن يوسف جمال
عبدالمحسن يوسف جمال
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

من المأثور عن إمام البلاغة علي بن أبي طالب، عليه السلام، قوله «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».وكانت نظرته عالمية في أن الإسلام يحترم الجميع، سواء المسلم القريب أو الإنسان الذي يعيش معك في بلدك أو الذي تعيش معه في بلده؛ أياً كانت عقيدته، وكما نقول في المثل الشعبي «الناس للناس والكل بالله». هذا الفهم الواسع للإنسانية والشامل لاحترام البشر هو أصل الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله من قبل الله سبحانه «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» (الأنبياء: ١٠٧). لذلك، فإن الخطوة الأولى لنشر هذا المفهوم الإسلامي الأصيل هي محاربة الانحرافات الفكرية والتشويه العقائدي الذي جاء به المتطفلون على الإسلام بتكفيرهم الناس؛ كل الناس، بمن فيهم المسلمون! وهو الفهم الذي أدى إلى إراقة دماء الأبرياء على مدار التاريخ القديم والحديث، وما زالت فتاوى هذا النفر من مدعي الدين مستمرة من كل صوب ومن مختلف الملل والنحل. وعلى الرغم من أن العالم المتحضر سنّ لنفسه قواعد إنسانية بيّن فيها حقوق البشر وحرمة اعتداء إنسان على إنسان أو أخذ ماله وأملاكه أو انتهاك عرضه أو تعذيبه أو قتله أو انتهاك خصوصياته، فإن قوى التكفير ما زالت أقوى من كل هذه الضوابط الوضعية بعد أن انتهكت الضوابط السماوية. بل إن «التوحش» و«الإرهاب» وانتهاك حقوق الإنسان دخلت في مناهج التعليم في العديد من الدول، بما فيها الكويت مع الأسف الشديد. وقد نبه العديد من أعضاء اللجنة التعليمية وأعضاء مجلس الأمة لأكثر من مرة وزراء التربية المختلفين إلى وجود مواد تكفر المسلم، ناهيك عن غيره، ولكن، ومع الأسف الشديد، وعلى الرغم من قيام بعض الوزراء مشكورين بتعديل بعضها، فإن بعضها الآخر ما زال موجوداً ويدرّس لأبنائنا الصغار من دون رادع من ضمير أو خلق أو خوف من الله. ولقد لاقت الكويت الأمرين من هؤلاء التكفيريين، وما اعتداء مسجد الإمام الصادق منا ببعيد وقتل المصلين فيه، مع تجلي الموقف الإيماني والبطولي الرائع الذي وقفه أمير الإنسانية الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، والذي سجله التاريخ بحروف من نور حين تحدى الإرهاب بقدومه للمسجد فوراً بعد سماعه للانفجار من دون أي اكتراث للمخاطر. وعلينا دراسة الأسباب التي دعت القاتل للمجيء إلى بيت من بيوت الله، وفي شهر رمضان المبارك، ويوم الجمعة المباركة، لقتل المصلين المؤمنين وهم في حالة الخشوع والسجود لرب العالمين، وقتل نفسه الخبيثة بتلك الطريقة التفجيرية البشعة. وما حدث في الكويت وفرنسا وأوروبا وما يفعله الصهاينة في أبناء فلسطين وما يفعله الآخرون في المسلمين في الروهنغا وغيرها ما هو إلا منهج منحرف واحد وإن تعددت أسماؤه. وما يحدث اليوم في باريس وغيرها من قيام تكفيريين محسوبين على الإسلام بقتل أناس أبرياء ما هو إلا نتيجة هذه الأفكار المنحرفة التي يزرعها البعض في عقولهم من كل الاتجاهات. فكما أن بين المسلمين من يدعو لتكفير الآخر ونبذه ومن ثمّ قتله، فهناك لدى بعض أتباع العقائد الأخرى من يزرع بذور التفرقة والعنصرية والدعوة لنبذ الآخر وقتله. وهذا ما نراه في متطرفي اليهود والنصارى وباقي الملل. Volume 0%‏تحميل الإعلان وحان اليوم كي يقف البشر كلهم متحدين في احترام بعضهم للبعض الآخر، ونبذ العنف والكراهية وقتل الآخر وانتهاك حرماته. المطلوب اليوم من كل مفكري العالم وحكمائه وحكوماته الوقوف بحزم ضد هذه المناهج التكفيرية والعقائد الداعية للقتل بحزم وقوة، وإيجاد مناهج وأجواء ومناخ يدعو إلى الألفة والمحبة والعيش المشترك مع الاحترام المتبادل من كل الأطراف. ولعل هذا أحد أدوار مجلس الأمة القادم ومن سينجح فيه.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.