.
.
.
.

بين الحرية و الليبرالية سوء فهم أبدي.. وحاجة لاكتشاف الحقائق

عدوية الهلالي

نشر في: آخر تحديث:

توجد " حرية " في " الليبرالية" ، ومع ذلك ، من الصعب للغاية تحديد فكرة الحرية ، وتزداد صعوبة ذلك عندما يمكننا ربط كل شيء بعكسه ، وبالتالي ، فأن الليبراليين ليسوا وحدهم من يدعي مسألة ادعاء الحرية ، حتى الثوار منهم ،ليس فقط الذين عاشوا في عام 1789 فقط ، ولكن أولئك الذين ينتمون الى الارهاب من الذين تمكنوا من تنفيذ عمليات القتل والقتل الجماعي بأسم الحرية ، من هنا يتضح لنا أننا لانتحدث عن الشيء ذاته ..

وفي الواقع ، فأن أحد العناصر التي تميز " الليبراليين" عن " مؤيدي " الحرية الآخرين هو أنه – وبدلاً من الإشارة الى فكرة مجردة خالية من أي ترجمة ملموسة الى حقائق – طرح المدافعون عن الحريات نظريتهم على اعتبار إنها أساسية وملموسة للغاية وليست خيالية ..
وينبع سوء الفهم الكبير المتعلق بالليبرالية من كل مايمكن للمرء – من خلال الجهل– أن يؤمن به ، فلا يمر يوم دون قراءة أو سماع ملاحظات غاضبة حول هذه " الليبرالية الجديدة" المروعة المسؤولة عن تلاشي الثقافة والتعليم وعدم الاستقرار وعدم المساواة والحروب وما الى ذلك ..وهكذا تكون الليبرالية بطبيعتها النسبية مسؤولة عن غياب القيم الأخلاقية والسعي وراء المصالح الأنانية البحتة والبحث عن الربح ..ويبدو أنها تستخدم أحيانا مثل فزاعة لطرد الشرور سواء كانت حقيقية أو متخيلة ..والمشكلة إنه في معظم الحالات فان مايتم إدانته لاعلاقة له مطلقاً بالليبرالية ، لكن اكتشاف الحقائق هو عمل صبور وطويل الأمد ويزداد الأمر صعوبة كلما أصبحت التاكيدات القطعية تمثل تحدياً لما هو موجود ، لأن التقليد الليبرالي يقوم على مجموعة من الأفكار ، وهي فلسفة سياسية صاغها العديد من المفكرين العظام على مر العصور ، وبعيداً عن كونها سطحية أوتمثل حججاً قوية تدعم فلسفة القانون أو قوة الاقتصاد فأنها تبقى على أية حال فلسفة راسخة في الواقع بقوة ..
وإذا كانت الحرية محفورة في طبيعة الإنسان وبالتالي فهي تستحق الدفاع عنها ،فأن " الحريات " التي تدعو إليها الليبرالية الجديدة ربما تشكل عقبات ، مثل حرية الحياة التي يخالفها انعدام الأمن وقوانين الانجاب والأعمال الإرهابية والحروب ، وحرية التمتع بحق الملكية التي يتم رفضها أحياناً عندما يتم تشبيه الملكية بالسرقة كما يحدث في الاستيلاء على الأراضي ، وحرية التعبير التي لاتكون بديهية في أغلب البلدان ، وحرية الضمير الصامتة غالباً أمام التاريخ المضطرب ، وحرية الدين التي تقود غالباً الى التعصب والحروب والانتهاكات العميقة لحقوق الإنسان ، وحرية التنقل التي تتعرض للتقييد خصوصاً في بلدان مثل كوريا الشمالية وكوبا مؤخراً ، وحرية التعاقد التي يفضل استبدالها بالثقة القائمة بين الأشخاص والكيانات ليمكننا العيش في سلام ووئام..وحرية الإبداع التي تضمن لكل شخص قدرته على تقديم مايريد بحرية كاملة ، باستثناء الرسوم الكاريكاتورية التحقيرية التي لاتعكس الحرية أبداً ..وحرية التبادل التي تقف أمامها عقبات الحمائية والقوانين المقيدة والضرائب والاخلاق مع الإشارة الى البيئة –على وجه الخصوص - ، وهنالك أيضاً حرية التجمع التي تواجهها القيود في بعض البلدان وحسب الظروف ، أما الحرية السياسية فلابد من احترام الحقوق الطبيعية للأفراد فيها كما يرى بنيامين كونستانت ، وشريطة عدم الوقوع في الاستبداد الديمقراطي كما يحذرنا اليكسيس دي توكفيل ..وفي مايخص حرية التنظيم ، فالليبراليون ليسوا غرباء عن فكرة التمتع بحرية التنظيم لأن عدد وطبيعة النقابات الرسمية لابد أن يتم الاعتراف بها من قبل الدولة وإلا يكون تمثيلها وطريقة تمويلهاغريباً تماماً في الممارسة العملية عما ينبغي أن تكون عليه في ظل نظام الحرية ..
وهكذا ، فانه لايزال السكان يتشاركون وجهة النظر الغامضة والخاطئة عن الليبرالية بسبب التشوهات والافكار التي وردت على نطاق واسع ، ومع ذلك ، فأن الحرية او – الحريات- لاتخلو من القيود بل انها تتطلب الكثير ، لأن كل هذه الحريات لاتخلو من نتائجها الطبيعية مثل المسؤولية اذ لايمكن استخدام الحريات على حساب الآخرين فأن تكون حرا يفترض ان تكون مسؤولا عن افعالك ومستعدا لتحمل عواقبها ، وهنالك حكم القانون والذي يرتبط بدور الدولة من حيث المبدأ في ضمان سيادة القانون ..ومن النتائج الاخرى معنى الاخوة الذي ينظر اليه احيانا بشكل سلبي من قبل الليبراليين ، واحترام الآخرين اذ يسمح البعض لأنفسهم باعدام اعلامي حقيقي للآخرين عبر الشبكات الاجتماعية من خلال التنديد والسعي الى القضاء على المذنب في نظرهم بسبب عدم التفكير أو التصرف وفقا لما يرضيهم ..
اذن ، فهذه ليست ليبرالية ، وهنا نتساءل ، هل يمكن ان نتجرأ احيانا على وصف الليبرالية بالوحشية ؟ لا أظن ذلك ، لأن الليبرالية هي عملية اخلاقية لكنها ليست حرية مطلقة بل هي في الواقع نظام متطلب للحياة وقادر على حماية الفرد في جوهره وحقوقه الاساسية ،وبدلا من ان ننسب اليها افكارا منحرفة لاعلاقة لها بها ، يمكن العودة الى فكرة الحريات الاساسية التي نادى بها المفكرون الكبار ، واذن ، بدلا من الاستمرار في ادانة الليبرالية بسهولة ، لابد لمنتقديها اللجوء الى طرق اكثر صدقا كالجدل والاستدلال لتكوين معرفة أكثر دقة عنها ..

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.