.
.
.
.

الإرهاب في أوروبا... مآلات الماضي ورهانات المستقبل

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

ظاهرة الإرهاب تُهدد الإنسانية جميعاً، وبالتالي على كل دول العالم أن تواجهها لا أن تنتظر قدوم الخطر إليها. ما تدفعه أوروبا الآن هو نتيجة مباشرة لتكاسلها عن مواجهة هذه الظاهرة التي أول ما ضربت منطقة الشرق الأوسط، ولعل أوروبا فعلت مثل كثير من الدول الكبرى بأن احتضنت جماعات العنف والتطرف والتمرد، وقامت في ما بعد بتوظيفها سياسياً، وهنا كانت المصالح السياسية الضيقة أهم بكثير من المصالح الاستراتيجية التي تهمّ العالم بأكمله وتُهدد وجوده.

معضلة الغرب التي لا يفهمها، أنه شريك في ما حل عليه من إرهاب، صحيح أن من مارسوا الإرهاب بعضهم عرب ومسلمون، حرّكهم الفهم الخاطئ للنصوص الدينية، ولكن بقي الغرب الداعم الأول لهذه التنظيمات حتى بات بعضها جزءاً من المعادلة السياسية في بعض البلدان، بل وفرت بعض الدول حماية لهذه التنظيمات، سواء من خلال وجودها على أراضيها أم من خلال توفير البيئة الحاضنة لأفكارها.

وفّرت العاصمة البريطانية لندن حماية لأغلب أمراء العنف والتطرف الذين أتوا إليها من منطقة الشرق العربي، فكانت تستقبل قادة تنظيمات العنف على أراضيها بدعوى اللجوء السياسي، ويتّخذون من أراضيها منصات للمعارضة ونشر أفكارهم إلى أوروبا بأكملها، حتى أن بعضهم استأجر شقة في الثمانينات من القرن الماضي وكتب عليها مقر الخلافة الإسلامية. صحيح أن هذا السلوك رمزي ولكنه تحوّل في سنوات قليلة إلى خلافة مكانية سيطرت فيها هذه التنظيمات مع القادمين من أوروبا على بقعه أرضية في 29 حزيران (يونيو) عام 2014، ولكنها لم تبق رمزاً، بل أصبحت بداية للعنف المنظم والمعولم الذي نعاني وتُعاني منه أوروبا الآن.

إذا كانت أوروبا جادة في مواجهة الإرهاب فعليها أولاً أن تُدرك الحقائق التاريخية التي زاحمت هذه الظاهرة حتى يمكنها المواجهة بصوره صحيحة وتلافي هذه العوامل وأن تفرّق بين الإسلام كعقيده لا بد من أن تحترمها، وبين فهم بعض المسلمين الخاطئ لهذه العقيدة، وهو ما لا بدّ من أن تُحاربه، ومن ثم لا بد من أن تكون المواجهة للإسلام الراديكالي أو الإسلاموية لا للإسلام ذاته، وعلى الأوروبيين أن يدركوا أن التطرف في المواجهة لن ينتج إلا تطرفاً مقابلاً له.

من الأخطاء التي وقع فيها العالم أنه اعتبر 22 آذار (مارس) 2019 عام سقوط "داعش"، معتقداً أن العالم نجح في التحرر من هذا الكابوس باختفاء زعيمه وقادته، متناسياً أن الأفكار لا تموت بقوة السلاح، وأنه تلزمها مواجهة ناعمة أو فكرية قد تكون أقل تكلفةً من المواجهة الأمنية والعسكرية ولكنها تأخذ وقتاً أطول حتى يتم تفكيك هذه الأفكار، ما دون ذلك تتكاثر هذه الأفكار مثل الخلايا السرطانية، وهنا تُصبح المواجهة الأمنية والعسكرية بلا فائدة.

أوروبا مثل غيرها من دول العالم كانت مشغولة بأمرين في ما يتعلق بمواجهة "داعش" والإرهاب، أولهما المواجهة الأمنية والعسكرية من خلال إنشاء تحالف دولي واستهداف التنظيم على الأرض وتصفية أفراده، ثانيهما حماية أراضيها من دخول هؤلاء المتطرفين أو العودة إليها حتى بعد القضاء على التنظيم، ولم تبذل أي جهود في تفكيك أفكار هذه التنظيمات.

وهو ما ساعد بعض المقاتلين في العودة إليها مرة أخرى، والأخطر هو أننا فوجئنا بشباب صغير يقوم بتنفيذ عمليات إرهابية في قلب أوروبا، أقربها ذبح المعلم الفرنسي صامويل باتي على يد شاب عمره لم يتجاوز الـ18 سنة، وهنا لنا كلمة أن هذه التنظيمات لا تموت بموت أمرائها وقادتها أو حتى أعضائها بل بموت الفكرة، التي لم تولِ أوروبا اهتماماً بالتعامل معها كما فعلت بخصوص الوجود الفعلي للتنظيم على الأرض.

على العالم أن يعيد النظر من جديد في فكرة مواجهة الإرهاب، وعليه أن يدرس تجارب المواجهة العربية وغير العربية دراسة دقيقة، محاولاً الاستفاده من هذه التجارب وتطعيمها بما ينبغي أن يكون، بهدف تفكيك الأفكار قبل تصفية المؤمنين بها، فلا فائدة تُرجى من رقابة على الأرض أو من خلال الفضاء الإلكتروني من دون تفكيك الأفكار، فمن تم تشديد الرقابة عليه لن يعدم وسيلة لفك هذه الرقابة وتنفيذ ما أراد، فالتعامل الاستراتيجي البعيد المدى لا بد من أن يكون من خلال تفكيك بنية الأفكار المؤسسة لهذه التنظيمات.

أوروبا كانت وما زالت مقصّرة في قراءة ظاهرة الإسلاموية ومنقسمة ما بين تياريين سياسيين كبيرين، أحدهما يقوم على استغلال تنظيمات الإسلام السياسي واستخدامها، وتيار آخر يقوم على مواجهة المسلمين والعرب كونهم مسلمين، على خلفية دينية، وهذا التيار ساعد كثيراً في وجود تنظيمات الإسلام السياسي وصنع مبرراً لخطابه الذي لاقى رواجاً أمام خطاب اليمين المتطرف في القاره العجوز.

أوروبا تحتاج أكثر ما تحتاج إلى إعادة قراءة الظاهرة من جديد، مع إعادة تقييم لتجاربها في المواجهة، وتعديل هذا السلوك بما يتناسب مع واقع التنظيمات المتطرفة وتحوّرها، بخاصة أن هذه التنظيمات تتعامل بمرونة شديده مع الأوضاع الأمنية، كأن تستخدم وجودها الرقمي على الإنترنت في التجهيز والتكليف وتنفيذ عمليات مسلحة في أبعد نقطة من هذا العالم من خلال الفضاء الإلكتروني، وتستخدم هذا الفضاء في التجنيد ونشر الأفكار، وهنا تسبق هذه التنظيمات الدول التي تواجهها بخطوة وخطوتين، وهذا ما يؤدي إلى نجاح هذه التنظيمات في تنفيذ العمليات الإرهابية.

لا بد من أن تُشارك أوروبا والعالم العربي والمسلمون في قراءة الظاهرة، وألا تكتفي بقراءتها الأحادية، والتي تنصبّ على زاوية واحدة، فلن تكتمل قراءة المشهد إلا من خلال عرب ومسلمين قادرين على قراءته، ولن يكون هناك تشخيص دقيق للمرض إلا بمشاركة المريض الذي يحكي عن أوجاعه وآلامه والتي يسترشد بها الطبيب وعليها توضع خطة العلاج.

أوروبا مقدمة على وضع خطير، وحتى نكون منصفين، العالم كله، إن لم يكن هناك تصور واضح للمواجهة بصورها السالفة، فعلى الجميع أن يُنحي خلافاته جانباً وعلى الجميع أيضاً أن يضع المصلحة العامة كأولوية مثل محاربة الإرهاب والتطرف، وأن يتم إنشاء تكتل تكون مهمته الأساسية محاربة التطرف بصوره المختلفة، سواء أكانت دينية أم عرقية أم قومية، بذلك تستطيع أوروبا أن تفيق من كبوتها بعيداً عمّا آل إليه حالها وارتهن به مستقبلها.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.