.
.
.
.

تسريع أجندة الإصلاح الخليجي... خريطة طريق في زمن «كورون

عصام أبو سليمان

نشر في: آخر تحديث:

بينما مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي يُفكّرون ملياً في حياتهم المستقبليّة، كيف سيُقيّمون دورنا، نحن صناع السياسات، في الوقت الحاضر؟ هل سيُلقون اللوم علينا بسبب المحن العصيبة التي يشهدونها أو هل سيشكروننا على تأمين الرفاهة لهم؟ لا أنفكّ أطرح هذه الأسئلة على نفسي. أفكّر في الأطفال الذين سيبلغون الثامنة عشرة من عمرهم في عام 2038، أي الأطفال الذين سيتخرّجون من المدرسة الثانويّة في عام 2038، وهم الذين رسموا على أفواههم أولى ابتساماتهم، ولفظوا أولى كلماتهم، وخطَوْا أولى خطواتهم في عام 2020، أيُّ مستقبل نُشيّد لهم؟
يصعب التركيز على المستقبل عندما يستدعي الحاضر انتباهنا بشكل طارئ ومُلحّ. قلّصت أسعار النفط المتدنية الحيِّز المالي، مما حدّ من الخيارات المتوفّرة لصانعي السياسات، بينما سدّدت جائحة «كورونا» ضربة مؤلمة للصحة البشريّة وفرضت كلفة اقتصادية باهظة بشكل مفاجئ. ولا شكّ في أنّه يصعب اعتبار هاتَيْن الأزمتَيْن التوأمتَيْن فرصاً، إنما يدعونا هؤلاء المتخرّجون المستقبليّون من المدرسة الثانويّة إلى أن نعمل لنحقق ما يلي: أن نستثمر الوقت الحاضر من أجل مواصلة وتسريع العمل الذي بدأه صانعو السياسات في المنطقة أصلاً، من أجل رسم مستقبل جديد لهؤلاء الأطفال. في هذا المستقبل المرجوّ، ستكون المنطقة أكثر مقاومة في وجه الأزمات المقبلة ويكون مواطنوها مستعدّين لملء الوظائف وسيكون أمامهم هامش واسع من الفرص الواعدة للاختيار منها.
من أجل تحقيق هذا المستقبل، قد يعد صانعو السياسات في دول مجلس التعاون الخليجي هذا المقال خريطة طريق تركّز على مجالات خمسة، حيث ستولّد الإصلاحات المتواصلة والمتسارعة الأثر الأبرز بالنسبة إلى أجيال المستقبل: الاستثمار في رأس المال البشري، والحدّ من الاعتماد على القطاع العام، وتنويع اقتصادات المنطقة، وتعزيز نمو متين للقطاع الخاص، وإعطاء الأولويّة للنمو الأخضر.
لنأخذ المجال الأول، رأس المال البشري، حيث حقّقت دول مجلس التعاون الخليجي تقدّماً ملحوظاً، لا سيما بالنسبة إلى الصحة. في الواقع، ولّدت عقود من الاستثمار في صحة الأم والطفل نتائجَ مُثمرة ملحوظة: 99% من الأطفال المولودين اليوم في دول مجلس التعاون الخليجي سيعيشون حتى سن الخامسة، وأكثر من 90% من الأطفال في سن الخامسة عشرة سيعيشون حتى سن الستين في الدول الست لمجلس التعاون الخليجي. تبدو آفاق الصحة لدفعة متخرّجي عام 2038 أصلاً أفضل بكثير مما كانت عليه في الماضي.
حرصاً على أن يكون هؤلاء المتخرّجون جاهزين لتبوؤ وظائفَ في المستقبل، على صانعي السياسات التركيز على محصّلات التعليم من أجل سدّ الفجوة مع دول شبيهة عالية الدخل. على سبيل المثال، نجحت الإمارات العربيّة المتحدة في استخدام نموذج موجَّه من القطاع الخاص بغية تعزيز التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة. وبالتالي، من الأهميّة بمكان بالنسبة إلى صانعي السياسات مواصلة التركيز على تحسين نوعيّة التعليم أيضاً من خلال الحرص على أن يكون الوقت الذي يمضيه التلاميذ في الصف فاعلاً، مع التركيز على تحسين الأداء في القراءة، والرياضيّات، والعلوم، وربط التعليم بالمهارات المطلوبة، مع اعتماد مقاربات تعليم ابتكاريّة.
أمّا المجال الثاني، فيقضي بمواصلة الخطوات من أجل تقليص الاعتماد على القطاع العام، لا سيما بالنسبة إلى العمالة. بينما أداء البحرين وسلطنة عمان أفضل من أداء دول أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي، يبقى أن غالبيّة مواطني مجلس التعاون الخليجي تقريباً يعملون لصالح الحكومة أو لصالح وكالات حكوميّة، مقارنةً مع متوسط منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) البالغ 18%. كما تسمح إعادة توجيه الإنفاق الحكومي من أجور القطاع العام إلى القطاع الخاص باستكشاف خيارات أخرى لدعم الرفاهة الاجتماعية والاقتصادية لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي والعاملين في المنطقة من غير المواطنين، على حدٍّ سواء، على غرار شبكات الأمان الاجتماعي المُحدّثة أو الاستثمار في رأس المال البشري.
إلى ذلك، يدعم الحد من الاعتماد على القطاع العام المجال الثالث الذي يُعد أولويّة –دعم نمو متين للقطاع الخاص، بما أنّ الأجور المرتفعة في القطاع العام تجذب غالبيّة المواطنين. وقد بدأت المملكة العربية السعودية هذه العمليّة، فشكّلت لجنة لدراسة جميع أشكال المنافع الماليّة المُسدّدة إلى القطاع العام، كجزء من أجندة أكثر استراتيجيّة لإصلاح العمالة ضمن رؤية عام 2030، وتحذو الكويت وسلطنة عُمان حذو المملكة العربية السعودية. بالنسبة إلى هذه الصناعات، أسوةً بالسياحة، التي تأثّرت بشكل كبير بجائحة «كورونا»، قد تبرز الحاجة إلى إعادة ابتكارها ضمن صيغة حديثة العهد، تستخدم التكنولوجيا على غرار التعرّف إلى ملامح الوجه من أجل تسريع حركة المسافرين عند نقاط الدخول في الفنادق ونقاط التفتيش في المطارات. من شأن صانعي السياسات الذين يستحدثون طرقاً ابتكاريّة لدعم الشركات التي تتطلّع إلى اعتماد مثل هذه التحسينات التكنولوجيّة أن يضمنوا قطاع سياحة متيناً لتختاره أجيال المستقبل على أنّه رب عمل مُحتمَل.
أمّا التنوّع المتواصل لاقتصادات المنطقة فهو يشكّل المجال الرابع ذا الأولويّة، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بدعم القطاع الخاص. في عام 2019 دفع النشاط الاقتصادي المُتسارع في القطاع غير النفطي، بما في ذلك السفر، والبيع بالتجزئة، والبناء، والخدمات، بغالبيّة محصلات النمو الإيجابي للمنطقة. ومن شأن جهود التنوّع هذه أن تُسهم في حماية المنطقة، إلى حد ما، في وجه الآثار المزدوجة لجائحة «كورونا» وأسعار النفط المتدنيّة، مع تطوير سوق عمل تجذب اليد العاملة من شباب المنطقة ودفعة متخرّجي عام 2038، فسيحتاج التنوّع المتواصل إلى زيادة الإنتاجيّة وتعزيز الاستثمارات الإنتاجيّة.
أمّا النمو الأخضر فيُعد المجال الخامس والأخير، وهو من مجالات الاستثمار المُحتملة. في هذا السياق، بدأت التدابير الآيلة إلى التنوّع لصالح القطاعات والصناعات ذات الكربون المتدنّي بتوليد النتائج الملموسة، من خلال الاستثمارات في الطاقة المتجدّدة، مما يُسهم في سدّ الطلب المتزايد على الطاقة المحليّة في المنطقة، على سبيل المثال، مع حلول المملكة العربية السعودية والإمارات العربيّة المتحدة في المرتبة الأولى بالنسبة إلى الاستثمار في الطاقة المُتجدّدة. تُعد الجهود المبذولة في الوقت الحالي من أجل تأسيس سوق الكهرباء الإقليميّة العربيّة خطوة بارزة نحو النمو المستدام واستخدام للموارد أكثر كفاءة، والانتقال إلى نظم لتوليد طاقة متدنية الكربون في المستقبل. ولا شكّ في أن مواصلة التركيز على ضمان الاستدامة البيئيّة كجزء من برنامج التنوّع العام تترك إرثاً قيّماً لدفعة متخرّجي عام 2038.
في الواقع، الأزمة المزدوجة لجائحة «كورونا» وانهيار سعر النفط أوجعت دول مجلس التعاون الخليجي. لكن، كما شرحْتُ في هذا المقال أنّ في صميم التحديات التي ترافق هاتَيْن الأزمتَيْن تقع فرصة إعادة رسم التوجّه وتحديد السرعة للتعافي الاقتصادي في المستقبل وتعزيز أجندة التنوّع الاقتصادي في المنطقة. في الواقع، أعطت هذه الدول الزخم للتفكير في المستقبل الذي نبنيه لدفعة متخرّجي عام 2038 وما بعدها. فواجبات صانعي السياسات تجاه هذا الجيل المستقبلي واضحة جليّة. فلا يُمكن تفويت هذه الفرصة السانحة لإعادة رسم مستقبل دول مجلس التعاون الخليجي.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.