.
.
.
.

الوكيل الحصري للمرتزقة

جمال الكشكي

نشر في: آخر تحديث:

من المفارقات العجيبة أن العثمانيين كانت لهم على مر الأزمنة تجارب تركت بصمات سيئة في تاريخ وعي البشرية، من بينها الجذور المتأصلة لاستخدام العثمانيين للمرتزقة في الحروب والهيمنة والسطو والغزو وارتكاب مختلف أنواع الجرائم السياسية.
استوقفني ولع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بحشد المرتزقة، وجعلهم أداة له في عواصم العالم. حاولت البحث. وجدت أن هذا الولع الدموي متوارث في وريد الدولة العثمانية منذ تأسيسها.
فما نشاهده الآن في سوريا وليبيا واليمن، والعراق وناغورنو قره باغ وغيرها. لم يختلف كثيراً عن تلك الصورة التي كان عليها سلاطين وقادة الدولة العثمانية من أمثال سليمان القانوني، وعبد الحميد الثاني، وجمال باشا الجزار.
الشاهد هنا أن فلسفة الاحتماء بالمرتزقة راسخة في وجدان هذه الدولة، فأول من استخدم المرتزقة هو عثمان بن أرطغول مؤسس الدولة العثمانية، إذ إنه كان يقوم بتجنيد الفلاحين مقابل أجور، ومن بعده واصل النهج نفسه أورخان غازي بن عثمان ثاني سلاطين الدولة العثمانية، الذي استمر في تأسيس جيوش من المرتزقة.
ما بين مؤسس الدولة العثمانية وبين الرئيس الحالي رجب طيب إردوغان، خيوط سوداء تربط أهدافهم وأوهامهم. فالتاريخ والحاضر يقولان إن العقلية الحاكمة في أنقرة لم تتغير كثيراً.
فتظل جماعات المرتزقة والميليشيات هي القاسم المشترك في جميع مراحل الوهم العثماني. بل إن إردوغان يبذل جهداً ليكون الوكيل الحصري للمرتزقة في الداخل التركي، ودول الجوار، والعالم أجمع. ففي الداخل أسس وأنشأ إردوغان سلسلة طويلة من الميليشيات المرتزقة، في مقدمتها ميليشيات «حراس القرى»، و«حراس الليل»، و«جمعية وقف الشباب التركي»، و«الكتائب العثمانية»، و«قوات النسيج الاجتماعي»، و«القوات الخاصة الشعبية»، و«عناصر هيئة الإغاثة الإنسانية»، و«جبهة مغيري الشرق الكبير»، و«جمعية إمكان»، وكل هذه الكيانات المرتزقة تنخرط داخل السياسة الإردوغانية، وتتلقى أوامرها من الحزب الحاكم، ومهمتها الرئيسية هي تنفيذ مخططاته في الداخل التركي، وتكون بمثابة الحرس الثوري الخاص بالرئيس التركي، ورسالة قوية بأنه يمكن الاستغناء عن دور الجيش والشرطة النظامية، فضلاً عن أن إردوغان يعتبرها بندقية يمكن إشهارها في وجه معارضيه في اللحظة المناسبة.
لم تتوقف أحلام إردوغان وأوهامه في تأسيس مرتزقة الداخل فقط، فقد حرص على أن يتوسع في نشر المرتزقة في الخارج أيضاً، وقام بتأسيس منظمة «صادات» عام 2012 لتكون مظلة تخرج منها كل الميليشيات والمرتزقة في الخارج، وهي التي تتولى التنسيق واستقدام الأعضاء، والاتفاق معهم، وتحديد أجورهم، ومصادر تمويلهم، والمهام التي تسند إليهم، وهذه المنظمة تعمل في حوالي 20 دولة حول العالم، ولها تاريخ دموي في سوريا وليبيا والعراق والصومال، وناغورنو قره باغ، انبثقت منها مجموعات أخرى مثل تنظيم «الحمزات» و«السلطان مراد» و«أحرار الشام»، وهي المجموعات الأخطر والأنشط في إرسال عناصر إلى ليبيا وإقليم ناغورنو قره باغ.
أما عن رعاية الرئيس التركي للمرتزقة خارج الشرق الأوسط، فقد كشفت أجهزة الاستخبارات الأوروبية عن عشرات التنظيمات والجماعات التي تضم مرتزقة تحت غطاء ما يسمى «الجمعيات الخيرية» والمراكز الثقافية، فالاستخبارات الألمانية فضحت تنظيم «الذئاب الرمادية»، وكشفت عن أدوارها الخفية في نشر الفوضى والتخريب والتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا، وبسبب هذا النشاط الإرهابي الخطير، قامت الحكومة الفرنسية بحظر نشاطها منذ أيام قليلة، هذا بالإضافة إلى منظمة «ديتيب» التي توظف أكثر من 150 ألفاً في أوروبا من مختلف الجنسيات لخدمة أهداف العثمانية الجديدة.
ربما تكون هذه نماذج لوحشية ودموية الأدوات التي يستخدمها إردوغان، لتحقيق طموحات إرهابية، لكن المؤكد أننا أمام نظام يمارس التخريب، ولديه استراتيجية تعتمد الإرهاب والعنف وسيلة لتحقيق مآرب سياسية. قد يعتقد إردوغان أنه يستطيع الالتفاف حول القانون الدولي، والهروب من المسؤولية، وأحياناً يتوهم بأنه سينجح في استعادة «عثمانية أجداده»، وفقاً لجغرافية أوهامه، وبالتالي، فإن وسط فقدان المؤسسات التركية الثقة بمسؤولية إردوغان، نجده يلجأ إلى تأسيس البديل الذي يرى أنه لا يمكن أن يخالف قراراته غير المسؤولة، وهذا البديل جاء بنصيحة قدمها الجنرال الإيراني قاسم سليماني عندما التقى إردوغان في 2004. ووضع معه خطة تأسيس هذه الميليشيات التركية، وكيفية تنفيذها على أرض الواقع من خلال عناصر دفع بها سليماني في المراحل الأولى لتكوين الميليشيات. اعتبر الرئيس التركي أن هذه الفكرة هي طوق النجاة لتحقيق مشروعاته التوسعية، وأنه يحتاج إلى مجموعات تعتمد في المقام الأول على مبدأ السمع والطاعة، فوجد أن تلك المواصفات يمكن شراؤها عبر جماعات المرتزقة، ومن ثم يضمن تنفيذ أوامره طالما أنهم يتقاضون أجورهم الشهرية. ربما ينجح إردوغان في تحقيق أهدافه بعض الوقت، لكن عليه قراءة تاريخ دولته العثمانية ليعرف أن نهايته ستكون مدوية، وأن أجداده دفعوا ثمن الاستعانة بمثل هؤلاء المرتزقة عندما انقلب الإنكشاريون على السلاطين العثمانيين، الأمر الذي أدى إلى انهيار الدولة العثمانية في النهاية، واختلطت الأوراق وصار الإنكشاريون يتحكمون في مقاليد أمور الدولة العثمانية. ما أشبه الليلة بالبارحة؛ إردوغان يكرر السيناريو نفسه مع الإنكشاريين الجدد، لكن هذه المرة وسط انهيارات متلاحقة تعيشها أنقرة على مختلف الأصعدة، ولن يشفع لها استخدام الرئيس التركي للمرتزقة في الداخل التركي، أو في الشرق الأوسط، أو على مستوى العالم.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة