.
.
.
.

بايدن رئيسًا

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

قبل أيام استيقظ العالم صباح الأربعاء الماضى، واستيقظت أمريكا معه على أن الانتخابات الأمريكية لم تصل إلى نهاية، ولا جرى انتخاب رئيس للدولة العظمى فى العالم. لم تكن هناك موجة زرقاء غالبة معبرة عن الحزب الديمقراطى بفعل الهوى الليبرالى الغلاب الذى جُرحت عفته خلال السنوات الأربع الماضية من شخصية رئيس بدت فى أحسن الأحوال غارقة فى الخطأ والخطيئة، وفى أسوأها مختلة وكفى! ولم تكن هناك موجة حمراء غالبة ومعبرة عن الحزب الجمهورى فى ثوبه الجديد الذى بدا كاسحا مع وصول دونالد ترامب الذى لم يحبه أحد فى الحزب إلى البيت الأبيض عابرا، ليس فقط على الجثة الحية لهيلارى كلينتون وإنما بعد المرور على أجساد أخرى لأقطاب ذائعة فى الحزب الطيب العجوز The Good Old Party GOP. لا كانت هناك موجة زرقاء ولا حمراء، وإنما جاءت الألوان إلى حيث كانت مستقرة فى تقسيم الولايات الأمريكية بين الساحل الشرقى والغربى وبحيرة ميتشجان، حيث الديمقراطيون سائدون، وفى القلب والجنوب، حيث الجمهوريون متمترسون. وما بين هذا وذاك كانت هناك الولايات المتأرجحة التى ثبت أن تأرجحها عميق مستمد من خلطة زراعية وصناعية، وسلالات ديمقراطية وجمهورية تكونت عبر أجيال، وما بينهما تتغير ظروف يتكيف معها البعض هنا أو هناك ويعجز البعض الآخر عن الفعل نفسه. هى سنة الحياة، فهناك الثبات والتغيير والتأرجح فى نفس الوقت، فاعلة وقادرة فى الواقع السياسى. لم يكن هناك خذلان كبير فيما قالته لنا استطلاعات الرأى، فقد ذهبت كاليفورنيا ونيويورك إلى حيث كان لها أن تذهب؛ كما ذهبت تكساس وفلوريدا إلى ما كان مقدرا لها؛ وبقيت بنسلفانيا وميتشجان ووسكنسن على تأرجحها الذى كانت عليه خلال السنوات الأخيرة.

.. ولما لم يكن من المستحيل ألا يكون فى انتخابات أمريكية مفاجآت من نوع أو آخر، فإن المفاجأة هذه المرة كانت التصويت خارج الصندوق وفى فترة سابقة على يوم الانتخاب. ولّد ذلك أولا ١٠٢ مليون صوت وأكثر، ثلثهم ممن أرسلوا بطاقاتهم من خلال البريد؛ وثانيا أن كل ولاية وضعت قواعدها وحدودها الخاصة للتعامل مع هذه الملايين الجديدة بكل ما يسببه من اختلاف وتعقيد؛ فالولايات المتحدة الأمريكية دولة فيدرالية معقدة، رغم كل شىء.

هذه المفاجأة الجديدة فى التطبيق ولدت كثيرا من الفرقعات السياسية، ترامب الذى أعلن مبكرا عن فوزه، عاد لكى يؤكد أن عدم نجاح توقعاته راجع للتزوير والغش فى تلك البطاقات «المجهولة» التى تظهر بعد الساعة «الرابعة صباحا». لم يكن حديث ترامب قانونيا عندما دفع كتائب محاميه للاحتجاج على أوضاع حتمتها قوانين وضعتها مجالس تشريعية لولايات، وإنما كان حديثه سياسيا وموجها إلى قاعدته الانتخابية فى المقام الأول. وبعيدا عن الأمواج التى لم تأت، والاحتجاجات القانونية المراد منها أهداف سياسية، فإن «جو بايدن» وصل إلى البيت الأبيض فى محاولته الثالثة للوصول إلى الرئاسة الأمريكية. أتى الرجل من داخل النظام الأمريكى الذى عاش فى ظله مشرعا وسياسيا فى مجلس الشيوخ، وجزءا هاما من السلطة التنفيذية كنائب للرئيس أوباما لثمانى سنوات. لم يكن الرجل آتيا من خارج مؤسسة الحكم كما جاء الكثير من الرؤساء الأمريكيين، مثل كنيدى وكارتر وريجان وكلينتون وبوش الابن وأوباما، ولكنه جاء مثل جونسون ونيكسون وفورد وبوش الأب من داخل دروب المؤسسات الأمريكية ولجانها وصراعاتها وتنافسها وتعاونها فى السراء والضراء. سبعة وأربعون عاما قضاها الرجل متنقلا بين التشريع والتطبيق، وصاعدا وهابطا على سلالم السلطة السياسية، وخلال هذه وتلك اكتسب نعمة التواضع التى اكتسبت طبقة من الشفافية والتعاطف تسبب فيها عدد من الأزمات والكوارث الشخصية من وفاة لزوجة واستشهاد لنجل.

تجربة بايدن السياسية والشخصية على مدى سنواته الثمانى والسبعين خلقت منه شخصية صلبة بالتأكيد، ولكنها جعلت منه متواضعا وواقعيا فى معظم الأحيان، ومن ناحية أخرى ابنا بارا بالمؤسسات الأمريكية المختلفة التى تعاون أو تنافس معها، ولكنها كانت فى كل الأحوال ضرورية لسلامة الأمة الأمريكية وسلاسة قيادتها. ولم تكن هناك صدفة، وهو الرجل الذى خسر معركة الوصول إلى الرئاسة مرتين من قبل، فى أن يكون هو «المختار» هذه المرة معبرا عن نوبة حنين شعبى بعد سنوات ترامب الأربع إلى المؤسسات الدستورية ومن خرج من وسطها وبيئتها. وربما يكون «بايدن» عالما بأن واحدا من أهم وظائف المؤسسات أنها تستوعب الجديد وتدخله بل وتهضمه داخل الآلة الضخمة لاستيعاب الجديد والمختلف. الأمر ليس جديدا على التاريخ الأمريكى، فكان استبعاد قضية العبودية من النظام السياسى فى نشأة الدولة ضرورة لقيامها وإلا كان البديل هو لا دولة موحدة على الإطلاق كما جرى فى أمريكا الجنوبية. وعندما بات واضحا أن ذات القضية سوف تكسر الدولة، لم يكن هناك بد ليس فقط من تحرير العبيد، وإنما معها استيعابهم فى النظام السياسى من خلال التعديلات الدستورية، وإعادة البناء RECONSTRUCTION. جرى نفس الشىء بعد الحرب العالمية الأولى لاستيعاب نزعة العزلة بالبعد عن عصبة الأمم، وعندما حدث الكساد الرهيب فى ١٩٢٩جاءت ثورة تدخل الدولة الأمريكية فى الاقتصاد بالإجراءات «الكينزية» ومن بعدها الحرب العالمية الثانية والمشروع الأمريكى لإعادة هندسة العالم فى إطار كونى امتد من إنشاء منظمة الأمم المتحدة حتى وصل إلى منظمة التجارة العالمية.

«بايدن» هو ابن هذه التقاليد التى ترى الجديد والثورى والمتمرد وتسعى إلى هضمه داخل الآلات المؤسسية والقانونية الضخمة للدولة. أثناء الحملة الانتخابية، ولمواجهة شعار «ترامب» بالسعى لجعل الولايات المتحدة دولة «عظيمة» مرة أخرى، قدم شعار أن تكون أمريكا «قائدة» مرة أخرى. ولكن بايدن يعرف جيدا أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تكون قائدة دون أن تكون عظيمة، والعظمة هذه لن تأتى إلا من خلال إعادة الوحدة للشعب الأمريكى، والتخلص من الانقسام الذى أقامه ترامب فى شكل حائط بين الأجناس والأعراق والأحزاب والمؤسسات وأحيانا بين أفراد العمل العام. وهذه العظمة لن تكون دون معرفة الحقائق العالمية المعاصرة التى تسللت إلى الواقع العالمى وآن أوان التعامل معها. هو يعرف جيدا أن هناك حدودا لتدخل الدولة فى الداخل اقتصاديا واجتماعيا؛ كما يعلم من ناحية أخرى أن التدخل الخارجى له أثمان فادحة. وعلى مائدته سوف تقع ملفات كثيرة حول تجارب ترامب المثيرة مع الصين وكوريا الشمالية وإيران، وبعضها سوف يكون كاشفا للكثير من أخطاء الديمقراطيين فى التعامل مع هذه القضايا. والخلاصة أن استيعاب دروس السنوات الأربع الماضية، بعد التخلص مما كان فيها من ضجيج وصخب، وبيئة غير صحية لصنع القرار السياسى، سوف يكون تجربة غنية، لأنها سوف تنقل حقائق الظهور الصينى العظيم على الساحة الدولية، وقدرة روسيا الاتحادية على اختراق الحدود فى أوروبا ووسط آسيا والشرق الأوسط، ومع هذا وذاك إدارة النظام العالمى ثلاثى القطبية بحصافة وحكمة.

* نقلا عن " المصري اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة