.
.
.
.

كيف يمكن تحرير مسلمي فرنسا من الارتهان للإسلام السّياسي؟

أحمد نظيف

نشر في: آخر تحديث:

أعادت الهجمات الإرهابية الأخيرة التي تعرّضت لها فرنسا، وما سبقها من جدل جديد قديم في الرسوم المسيئة للنبي محمد، وما لحقها من إنزال تركي وسط ساحة الصراع لتأجيجه، الروح في خطابات الأطراف المتطرفين على الساحة، سواء من جهة اليمين الفرنسي المتطرف أم من جهة جماعات الإسلام السياسي المتوثّبة للعب أدوار الوصاية على المسلمين والإسلام معاً.

في المقابل، تبقى الكتلة الضخمة الصامتة من المسلمين الفرنسيين المقدّرة أعدادهم الرسمية بنحو خمسة ملايين، وبنحو ثمانية ملايين مسلم بحسب أرقام غير رسمية، ساكنةً مستسلمةً لتسليم زمام أمرها الى مجموعات إسلامية سياسية لتمثيلها في مواجهة خطاب اليمين الفرنسي، وفصلها عن وسطها الاجتماعي الفرنسي، الذي اختارته بإرادتها وهي شديدة الوعي بقيمه وقوانينه العلمانية.

وفي الوسط، تحاول إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون، أن تمسك العصا من وسطها، غير قادرة على وضع اليد على مكمن الداء الحقيقي. في خطابه الأخير خلال تأبين مدرّس التاريخ صامويل باتي قال ماكرون بصراحة إن الإسلام "يعاني أزمةً" ثم فصّلها في مناسبات أخرى بأنها أزمة سبّبتها التيارات الإسلامية المتطرفة، واضعاً بعض مقترحات لتجاوز هذه الأزمة. لكن السؤال الحقيقي يبقى هو: ما مدى قدرة أي سياسات حكومية على تجاوز هذه الأزمة، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن هذه السياسات نابعة من سلطة تمنعها مبادئها العلمانية من التدخل في الشأن الديني سلباً أو إيجاباً، في مواجهة قطاعات واسعة من المسلمين والإسلاميين الذين يعتقدون جازمين بوجود "مؤامرة ضد الإسلام" في ذهنية متكاملة من التفسير التآمري للتاريخ كرّستها جماعات الإسلام السياسي وورثتها عن تيارات قومية طبعت الثقافة والفكر في العالم الإسلامي لعقود طويلة؟

بيد أن أي محاول لتجاوز الأزمة، أو "إصلاح الإسلام الفرنسي"، بعبارة ماكرون، لا بد لها من أن تنطلق من ثلاثة اعتبارات، أو تصل اليها لها ختاماً:

أولاً، يجب الاعتقاد، خلافاً لما يريد ترويجه طرفا اليمين في فرنسا، اليمين الفرنسي وجماعات الإسلام السياسي، من أن الإسلام لا يمكن أن يتوافق مع مبادئ العلمانية والجمهورية، بأن الإسلام كغيره من الأديان قادر، اعتقاداً ونصاً وطقوساً، على التوافق والانسجام تماماً مع قيم العلمانية والجمهورية والحداثة. وعليه، يجب السعي الى تقديم قراءة جديدة للإسلام بعيداً عن محاولات احتكاره من الإسلام السياسي أو محاولات وصمه بالتخلف من اليمين المتطرف الفرنسي. وذلك من خلال حزمة من البرامج البحثية والإعلامية، لا فقط الاعتماد على المقاربة الأمنية، فقد حان الوقت للكف عن اعتبار ملف المسلمين في فرنسا ملفاً أمنياً تعالجه وزارة الداخلية وحدها.

ثانياً، وفي ضوء ما يجري اليوم من هجمات إرهابية – مدانة بكل الأحوال والأشكال – وكذلك من سياسات رسمية تريد إصلاح الإسلام وإخراجه من "أزمته" في مقابل تعنت من جماعات الإسلام السياسي والتمترس خلف "منهج التآمر" والقول بأن مؤامرة تحاك ضد الإسلام، فإننا نعتقد يقيناً أن الإسلام يمر قطعاً بأزمة، لكنها ليست أزمة دين بقدر ما هي أزمة تديّن، أي أنها أزمة مسلمين تحوّلوا أسرى لدى الجماعات التي تدّعي تمثيل الإسلام داخل فرنسا، وتختطف طائفة بكاملها من أجل تحقيق برنامجها السياسي بعيداً عن عقائد المسلمين ومعتقدهم الفردي. لذلك فإن أي محاولة إصلاح يجب أن تكون منصبّةً حول فكرة رئيسية وهي أن الحلّ لهذه الأزمة لا يمكن أن يكون مسقطاً من عند الدولة - كما فعلت إدارة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي عندما شكلت مجلساً للديانة الإسلامية قائماً على المحاصصة الطائفية والعرقية - بل نابعاً من عموم المسلمين من خلال منع هذه الجماعات من ادعاء تمثيلهم والتحدث باسمهم، وذلك يحتاج إلى جهد غير مسبوق لبث الوعي في صفوف مسلمي فرنسا بشتى الوسائل.

ثالثاً، وانطلاقاً من الاعتبار الأول في تقديم قراءة جديدة للإسلام تكون منسجمة مع قيم العلمانية والجمهورية، وكذلك من الاعتبار الثاني في تحرير عموم المسلمين من هيمنة جماعات الإسلام السياسي والحركي، ستكون مهمة تحرير الإسلام الفرنسي من الولاءات الخارجية من بين أهم أهداف أي برنامج إصلاح. الإسلام في فرنسا ليس فرنسياً خالصاً كما هي الحال في الدول المسلمة، بل أصبح أداة في يد دول تريد أن تلعب بعقائد المسلمين لتحقيق مصالح سياسية داخل فرنسا أو لخوض حروب مع فرنسا، ولعل المثال التركي اليوم أكبر دليل على حجم الاختراق والتوظيف الذي وقع داخل النسيج الإسلامي الفرنسي، اذ أصبحت الجاليات العرقية والطوائف مجرد أدوات للسياسات الخارجية للدول، الأمر الذي يتعارض تماماً مع مبدأ الإيمان الحر، من جهة، ومبادئ المواطنة والاندماج، من جهة أخرى. وللأسف قامت السياسات الحكومية لتنظيم الإسلام في فرنسا، خلال السنوات الماضية، على تكريس هذه القسمة بين الدول المؤثرة، بدعوى عدم تدخل الدولة في الدين لتفسح المجال لتدخّل دول أخرى، فتحوّل مجلس الديانة الإسلامية إلى كونغرس تتمثل فيه الدول من خلال المنظمات والجمعيات التي تدعمها بالمال وبرامج التدريب، لينسحب هذا التقسيم على صفوف المسلمين ويقف حاجزاً أمام أي عملية اندماج داخل المجتمع الفرنسي.

نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة