.
.
.
.

الفسحة في ديننا

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

تحت حجة أنه لا يليق بحامل العلم وطالبه بل ولا يليق حتى بالعامي الذي يحب المواظبة على الصلوات وقراءة القرآن وفعل الخيرات، لا يليق به فعل ما تفعله العامة، وبذلك سلك هؤلاء مسلكًا تزيد به الهوّة بينهم وبين سائر الناس، مسلك اجتناب كل ما يربطهم مباشرة بالناس؛ لأن ارتباطهم بالناس بحسب مفهومهم لا بد أن يكون خاضعًا لبروتوكولات تحفظ المقام والهيبة..

نتحدث كثيراً وكثيرًا عن سماحة الإسلام وشموله، ونناظر ونخطب ونكتب ونؤلف ونعظ عن "الفسحة في ديننا" وعن الابتسامة والمزحة والفكاهة، وعن إدخال السرور على الآخرين وعن التواضع و، و... إلخ، ولكن لا يرى مَن نخاطبهم في حياتنا - في الغالب - من ذلك شيئًا، ونحن حين نحدثهم عن شيء من ذلك نحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يمازح ويضحك ويفعل ما تقتضيه بشريته، غير أننا حين نخاطب الناس بهذا كأنما نخاطبهم لنجد لهم الأدلة الشرعية لما يفعلونه، في حين نرى تلك الأدلة لا تعنينا باعتبارنا حملة العلم والدعوة، ولا ينبغي لحامل العلم والدعوة أن يكون كتابًا مفتوحًا يقرؤه الجميع، بل لا بد من الحشمة والمغالاة فيها والتؤدة في الكلام، وتنسيق حركات الجسد بما يلائم المكانة التي يتصورها هذا أو ذاك في قلوب الآخرين!

ويغيب عن الأذهان أن قدوة العالمين في ذلك هو من أنزل عليه القرآن بأحرفه السبعة، وكلمتْه ملائكة الله، وعرج به إلى سابع سماء، وصلى بالأنبياء، وفرضت عليه شرائع، واصطفاه الله على العالمين، وبلغه ذلك الموضع المشرف، ومع ذلك يجلس وبجواره أبو بكر وعمر وهو كاشف فخذه، ويتحدث إليهما كما يتحدث العربي بعاداته إلى جليسه، وحين كان ذات يوم يصلي صعد الحسن أو الحسين على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فتأخر في صلاته حتى نزل من على ظهره، وربما حمل أمامة بنت ابنته وهو يصلي، وكان يجلس بين زوجاته وهن يتمازحن ويضحك ويبتسم ولا يعتبر ذلك تنقصًا من مكانته وهيبته، ولم يقل يومًا "كيف تتجرؤون بالمزاح في حضرتي" بل كان صلى الله عليه وسلم ذات يوم ينظر للحبشة وهم يرقصون وفي المسجد، فدعا عائشة ورفعها لتنظر، ولم يُروَ ولم يحفظ أنه نهاهم أو غضب عليهم للرقص في المسجد بل أقرهم وأدام النظر إليهم، وهو موقف يحتاج أن نمرره في أذهاننا لنتصور ردات فعل "من يدعي تعظيم مواضع العلم والعبادة" وتنزيهها عن مثل هذه الأشياء زعموا! وما ذاك إلا لمحاولة كثير منا وضع حاجز وبرزخ بين الناس وبين كثير من المباحات والمألوفات والعادات خوفًا من أن يتجرأ الناس أكثر وأكثر، وهذا ما جعل الكثير من حاملي راية الدعوة يتبنى منهج "اجتناب الناس" تحت حجة أنه لا يليق بحامل العلم وطالبه بل ولا يليق حتى بالعامي الذي يحب المواظبة على الصلوات وقراءة القرآن وفعل الخيرات، لا يليق به فعل ما تفعله العامة، وبذلك سلك هؤلاء مسلكًا تزيد به الهوّة بينهم وبين سائر الناس، مسلك اجتناب كل ما يربطهم مباشرة بالناس؛ لأن ارتباطهم بالناس بحسب مفهومهم لا بد أن يكون خاضعًا لبروتوكولات تحفظ المقام والهيبة، باعتبار أن مثل مواقع التواصل تفتح الباب للصغير والكبير والعالم والجاهل والجاد والمازح بالدخول عليهم ومباشرتهم بالحديث والنقد والمزاملة والمراسلة، وإضافة إلى ذلك نظرة ضيقة تجاه التكنولوجيا الرقمية الحديثة، وترك ومجانبة مواقع التواصل التي هي الإعلام الفعال والرابط الأقوى بين الناس في هذه الأزمنة، ولكنها تركت وخلت ممن يحتاجهم الناس ممن يحسنون الابتسامة والمزحة أحياناً والنصح والجد أحياناً أخرى، وبقيت تلك المنصات والمواقع تزرع في الشباب الأخلاق المتداولة في سنابات ومشاهد ومقاطع وبث مباشر وتغريدات ومنشورات وسبل كثيرة وكثيرة، وظني أن هذه السبل والوسائل لو قدر لها أن تكون بين يدي أئمتنا وحفاظنا الأوائل لنفضوا غبارها وخاضوا غمارها واقتحموا أبوابها وأسوارها، وربما رأينا ضحكهم ومزاحهم ولطائفهم وطرائفهم، عكس ما نراه من كثير ممن تصدر الخطاب الديني اليوم!

ولو سألتني عن مستندي في ذلك لسقت إليك مئات الأحاديث، ووضعت بين يديك كثيراً من الكتب التي تدون كثيراً من لطائف ونوادر ومزاحات ومراحات الأئمة الأعلام. هذا، والله من وراء القصد.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.