.
.
.
.

عن «الترامبية».. وأميركا الأخرى التي لا نعرفها للمزيد:

محمد سالم المزعل

نشر في: آخر تحديث:

الدولة العميقة.. أين تقع؟ AA طفت على السطح خلال الأسبوع الماضي الكثير من «نظريات المؤامرة» التي يدعي أصحابها، من أنصار الرئيس دونالد ترامب واليمين الأميركي، أن الرئيس الأميركي هو الفائز الحقيقي في انتخابات الرئاسة، وأن النتائج التي أظهرت فوز جو بايدن مزورة بالضرورة. من أبرز تلك النظريات تلك التي تزعم أن «الدولة العميقة» لم ترغب أبدا بفوز ترامب الذي يشكل في نظر محبيه خطرا على تلك «الدولة» ومؤسساتها، وهو الذي وعد مرارا بتطهير «مستنقع واشنطن»، وأظهر خلال سنواته الأربع في البيت الأبيض ازدراء جليا للسياسة التقليدية وأعرافها. وعود ترامب بتشذيب الحكومة وإعادة السلطة إلى الشعب (التي لم تكن بالطبع سوى شعارات ديماغوجية، شعبوية فهو أصلا من صلب النخبة الاقتصادية في نيويورك لأكثر من أربعة عقود) جذبت الكثير من البيض في الولايات الوسطى، التي شكت دائما من هيمنة ولايات الساحل، الشرقي والغربي، مثل نيويورك بمؤسساتها المصرفية والمالية في وول ستريت، وكاليفورنيا عاصمة الترفيه والتكنولوجيا، على مقدرات البلاد منذ عقود، فضلا عن واشنطن (دي سي) العاصمة السياسية. وفي نظر هؤلاء فإن تلك النخب تمثل مضلع «الدولة العميقة»، التي لا ترغب برؤية لاعب مشاغب مثل ترامب في البيت الأبيض لأربع سنوات قادمة. فما هي تلك «الدولة العميقة» التي يتحدث عنها أنصار ترامب، وهل توجد بالفعل؟ الدولة العميقة تاريخيا ونظريا ليست وليدة الخيال، بل وجدت في كثير من الدول في مراحل معينة، بما فيها حاضرنا اليوم. بدأ استخدام هذا المصطلح قبل نحو مئة عام، وإن ظل في البدايات سرياً. الدولة العميقة وفق الاصطلاح السياسي الأكثر شيوعا هي شبكة واسعة (مترابطة غالبا) من مسؤولين كبار مؤثرين في الحكومة والجهاز الإداري (البيروقراطية) ومؤسسات الأمن والجيش والاستخبارات. ووفق ذلك التعريف فإن هذه الشبكة تعتقد أنها الأقدر على تحديد وحفظ مصالح الدولة وتمارس تأثيرها وسياساتها وراء الكواليس، فلا تظهر في الإطار العلني إلا في ذروة الازمات الكبيرة، حين يعتقد أعضاء تلك «الدولة» أن البلاد تواجه خطرا وجوديا. من هنا يزعم كثيرون أن المسؤولين المنتخبين ومؤسسات المجتمع السياسي والمدني هم جميعا لزوم «الشو». واجهة ليس إلا، مثل فاترين المحال التجارية، لإعطاء الشعب شعورا (زائفا) بأنه مصدر السلطات، وفق أصحاب هذه النظرية. في مقال نشر قبل عامين على موقع «فوكس نيوز»، كتب ستيف هيلتون، مدير السياسات الاستراتيجية لدى رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كامرون، أنه التقى رئيس الوزراء الأسبق طوني بلير قبيل انتخابات 2010 العامة لمناقشة المرحلة الانتقالية في حال فوز كامرون. يقول هيلتون انه خلال النقاش حذره بلير «من خطر الجهاز الإداري» البريطاني، وهو جهاز معروف بشبكته الواسعة وتأثيره الهائل وتقاليده العريقة، وعمرها قرون، فلا يمكن تغييرها بسهولة. كتب هيلتون على لسان بلير «لا تستخف بهم أبدا. إنهم يؤمنون بأن من واجبهم إدارة البلاد ومقاومة أولئك (الطارئين) الذين يجيئون اليوم ويرحلون غدا. إنهم يؤمنون فعلا بأنهم الحراس المخلصون لمصالح البلاد ومن واجبهم انهاكك حتى يأتي وقت رحيلك». طوني بلير، وهو ليس بالسياسي الساذج أو الهاوي، ليس السياسي الوحيد الذي قاسى في مواجهة الدولة العميقة، بل سبقه في ذلك كثيرون خلال عقود، حيث تعود أصول «الدول العميقة» إلى بدايات القرن الماضي، وتحديدا عام 1923، حين أسس كمال أتاتورك، أبو الدول العلمانية في تركيا، منظمة سرية باسم «ديرين دفلت» (وتعني حرفيا الدولة العميقة)، وأناط بها القيام بكل ما يمكن القيام به سراً للحفاظ على هيكل الحكومة العلماني، بما في ذلك اغتيالات لشخصيات معارضة للمؤسسة العلمانية، وانقلابات سياسية تضمن سير تركيا على النهج الأتاتوركي. استمر عمل تلك المنظمة طويلا بعد وفاة أتاتورك، وفي البال انقلاب رئيس الأركان الجنرال كنعان ايفرين الشهير في سبتمبر 1980 بعد تسعة أشهر من انذاره الشهير للحكومة والأحزاب السياسية بوقف الصراعات التي «تهدد سلامة الوطن ومصالح شعبه»، وتسلم الجنرال الحكم بعد اعتقال كل من بولنت اجاويد وسليمان ديميريل. حكم ايفرين تركيا 30 عاما بعد تعديلات دستورية منحته وقادة الجيش صلاحيات استثنائية وحصانة واسعة تمنع محاسبتهم ومحاكمتهم. وهي التعديلات التي تم تغييرها قبل ستة أعوام مما مهد لمحاكمة الجنرال وسجنه في 2014 قبل وفاته في 2015. دول عربية، مثل الجزائر وسوريا ومصر، سعت إلى استنساخ التجربة التركية مبررة ذلك، عبر منظريها، إلى ضرورة الحفاظ على الصفة العلمانية للنظام في مواجهة مد إسلاموي، خاصة في الأربعين عاما الماضية. في الواقع لم يكن ذلك سوى محاولة من قبل الجيش للإمساك بزمام الأمور «خشية الفوضى» والحفاظ على «الوضع الراهن» الذي يستفيد منه قطاع واسع من الدوائر المحيطة بذلك النظام، بما في ذلك «الاعلام القومي»، والجهاز الإداري المتغول، وطبقة التجار المنتفعين عبر تقنين فساد أدى إلى إفقار معظم القطاعات المجتمعية. عشرية الجزائر في التسعينيات كانت محاولة للتخلص من «الدولة العميقة»، ولكن فشلت بسبب الطبيعة المتطرفة لمعارضيها (ظاهرة جز الأعناق والقتل بالسيوف والفؤوس ولدت في الجزائر خلال تلك الحرب). مسارعة الجيش المصري إلى السيطرة على الوضع بعيد تنحي الرئيس الراحل حسني مبارك عبر المجلس العسكري الحاكم صورة أخرى. في سوريا، قدرة النظام على مقاومة، وربما الانتصار على، معارضة واسعة ذات تسليح متقدم ودعم دولي واقليمي ندر حدوثه هي نتيجة تخندق مؤسسات تلك «الدولة العميقة» الذي أسهم في تماسك المؤسسة العسكرية. في دول عربية أخرى مثل لبنان، تعتمد الدولة العميقة المتخيلة على شبكة غير عسكرية، وإنما طبقة سياسية متحالفة وعصية على التغيير رغم فسادها الذي يزكم الأنوف وصولا إلى باريس. حين النظر إلى مجريات ما سمي بالربيع العربي فإننا سنرى على الأغلب انتفاضة شرسة لمؤسسات تلك الدولة العميقة، التي تسعى إلى ابقاء الوضع كما هو عليه، كما قال طوني بلير، تفوق انتفاضات أولئك «الطارئين» الذين ظنوا أن التغيير تصنعه الميادين في هذا الجزء من العالم. في الحالة الترامبية، الوضع قد يبدو أكثر تعقيدا. ربما للعسكر دور في الحفاظ على تماسك النظام الأميركي ومؤسساته التقليدية، لكن خصوم ترامب في الواقع خليط واسع من النخبة الليبرالية والمال والثقافة والإعلام والاستخبارات. تذمر وزير الدفاع مارك اسبر قبل إقالته من قبل الرئيس قد يوحي كذلك بأن البنتاغون ليس سعيدا برفض ترامب الانصياع لمخرجات العملية الديموقراطية. فأزمة دستورية في الولايات المتحدة مثل هذه قد تفسر ضعفا من قبل أعدائها، ولذلك تداعيات دولية خطيرة. في مذكرة سربت إلى مجلة «فورين بوليسي» نشرتها قبل ثلاثة أعوام، كتب ريتش هيغنز، الموظف في مجلس الأمن القومي، إلى رؤسائه أن الرئيس ترامب «يواجه معارضة شرسة (ليس فقط من قبل النخبة الليبرالية) بل كذلك من قبل لاعبي «الدولة العميقة» وخاصة الأمميين، المصرفيين، الإسلامويين، وحتى الجمهوريين المقربين من المؤسسات التقليدية»، لأنه يمثل «تهديدا وجوديا» لهذه الدولة. تقول المجلة ان المذكرة وصلت إلى مكتب الرئيس بعد وقت قصير من كتابتها. ربما شطح الخيال بعيدا بالسيد هيغنز. ولكن الواضح أن ترامب ومناصريه يتبنون هذا الخيال ويعتاشون عليه. الواقع يقول ان هناك دولة عميقة في كل دولة. ليس بالضرورة ضالعة في مؤامرة ما. بل هي في أغلب الدول جهاز وطني لا يقل ولاء عن غيره. هي جزء رئيسي من الدولة ومصدر استقرار مهم. التحدي يكمن في قدرة المجتمعات على تكييف ذلك الجزء من الدولة ليظل ملتزما بالأطر الدستورية والقانونية التي تحفظ الحقوق والحريات. أما ما يقوم به ترامب فليس حربا ضد تلك الدولة لمصلحة الشعب الأميركي. وليس هناك مؤامرة ضخمة لإقصائه. ببساطة، جرت انتخابات فاز بها شخص رأى فيه الأميركيون خلاصا من فوضى ترامب التي صبغت الحياة في بلادهم خلال أربع سنوات. رفض ترامب الاعتراف بالنتائج يعكس طموحا شخصيا وغرورا من شخص لم يعتد الهزيمة في حياته.

*نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.