.
.
.
.

يوم اشرأبت الأعناق غرباً

أحمد الصراف

نشر في: آخر تحديث:

بالرغم من أن شعوبنا هي الأكثر ضعفاً في العالم، اقتصادياً ومادياً وصناعياً، وربما حتى أخلاقياً، فإننا، وبسبب هذ الضعف، الأكثر إيذاء لغيرنا، والأكثر تفاخراً بمنجزاتنا الفارغة وتشدقاً بأعراقنا وأصولنا.

***

يقول الأديب والمفكر السوري الراحل محمد الماغوط، ما معناه، اننا نكذب على أنفسنا بالقول ان هناك أملاً في تغيّر أوضاعنا للأفضل، فلا شيء يرتجى ما دامت الخيارات المتاحة تتراوح بين التشدد العسكري والتشدد الديني! الأول ينتزع الأظفار، والثاني ينتزع الحرية. وبالتالي نحن معرضون للذوبان والفناء فلا علاقة لنا بالمستقبل، بالرغم من أن تكاثرنا البشري هو الأعلى.. ومع هذا نشتُم ونهاجم ونلعن كل من له علاقة بالمستقبل وبالعلم والاختراع، ونعتقد أنهم مسخرون لخدمتنا.

***

بلغت إصابات الكورونا أرقاماً فلكية في كل دول العالم تقريبا، وارتفعت الوفيات لمستويات مخيفة، وتعطلت الأعمال، وتوقفت وسائل النقل الجماعية، من سفن وقطارات وطائرات ومطارات، وانهارت الأسواق جميعها وأفلست مئات آلاف الشركات، وتجمدت حركة الرافعات في الموانئ وتدهورت مبيعات مختلف المحال وعم الكساد الكرة الأرضية، وخسر مئات الملايين أعمالهم ووظائفهم وتجارتهم، الصغيرة والكبيرة، وضرب اليأس والجنون ملايين غيرهم، ولا يبدو أن هناك مخرجاً سريعاً من المأساة غير المسبوقة التي وجد العالم أجمع نفسه فيها، بعد أن امتلأت المستشفيات بالمصابين، وطفحت المقابر بالموتى.

***

وفجأة، وبعد انتظار طال تخلله الكثير من اليأس والألم، ولمئات الأيام والليالي الطويلة والمرعبة، نجحت مختبرات شركات أدوية عالمية، كما سبق ان فعلت في الـ150 سنة الماضية، في الوصول للقاح سيكون فيه الأمل في الخروج من هذا الجنون الذي نحن فيه!

بيّن هذا النجاح بصورة جلية أن لا روسيا ولا الصين ولا أية قوة أخرى على الأرض كان بمقدورها إنقاذ البشرية من وباء الكورونا غير الغرب وجامعاته العريقة ومختبراته، وقدراته الهائلة في البحث والتطوير، وإصرار علمائهم، الذي صب «علماؤنا» مليارات اللعنات على رؤوسهم، في الخروج بنتيجة إيجابية كالتي سمعنا بها وعنها مؤخرا!

***

نجاح الشركات الغربية، والأميركية بالذات، في تطوير اللقاح المضاد للكورونا يجب أن يكون درسا لنا جميعا، ليس فقط في التواضع، ومعرفة حجمنا وحقيقة قدراتنا، بل وأيضا في إدراك ان العالم لا ينتظر منا الخير، بل يريد فقط أن نكف شر «أولادنا» عنه، وهذا لا يمكن أن يتم بغير إحداث التغيير المطلوب في الأفكار والمناهج ووقف الرسائل الإعلامية الخاطئة، والاهتمام بالانفتاح على الآخر، وقبول ثقافاتهم، من دون الاضطرار لتقليدهم في كل شيء!

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.