.
.
.
.

فرنسا وديكتاتورية العلمانية

أحمد الفاضل

نشر في: آخر تحديث:

تشهد فرنسا هذه الأيام، ونتيجة للأحداث التي شهدتها أخيراً، ما يشبه انقلاباً على الحرية الفردية ليحل محلها مفهوم جديد يمكن أن يسمى "لائيكتاتورية".

ففي مجال العلوم، معروف أن كثرة استعمال مفهوم ما لا تعني بالضرورة وضوحه، ومن ضمن تلك المفاهيم، على سبيل المثال، "العلمانية". وقد نجد أنه من المناسب إيجاد تعريف مبسّط يشكّل الأرضية المشتركة لأكثر من مفهوم، بعيداً من الانطباعات الموجّهة. فالعلمانية من الناحية العملية، تعني أن المعارف المطلوبة لتنظيم شؤون المجتمع السياسية والاقتصادية والقانونية ليست بالضرورة نابعة من الدين، وأنها من الجانب السياسي تدعو إلى أن تقف السلطة على مسافة واحدة من جميع الأديان، مع الأخذ بالعلم أنه لا يجدر بنا النظر إلى مفهوم العلمانية كنسق واحد ونهائي. فهي تنشأ متأثرةً بمعطيات كل مجتمع، وتختلف باختلاف السياقات الاجتماعية والتجربة التاريخية، وتالياً، تختلف خصائصها من بلد إلى آخر. لا علمانية تشبه الأخرى، كما أن أشكال الحكم في الدول، ليست متطابقة. وفي الوقت نفسه، لا تُعتبر بالضرورة علمانيةً الدولة التي لا تمتلك ديناً رسمياً. وقد يكون من المفيد لإيضاح هذا المفهوم، أن نتحدّث عن أحد تطبيقات العَلْمنة الأخيرة وهي "اللائكية" العلمانية الفرنسية، حتى تتضح الملامح القصوى للمفهوم.

و"اللائيكية" حالة فرنسية خاصة، ارتبطت بمؤسسة الدولة لتحييدها بالقانون عن تأثير المؤسسة الدينية. وهي تعني الفصل القانوني بين المؤسسة الدينية والسلطة، كما أقره القانون الفرنسي سنة 1905. لكن هذا الفصل لا يعني إلغاء الدين، بل عدم تدخل السلطة في المجال الديني. فإذاً، اللائيكية حالة قانونية تهم الدولة وهي مبنية على الصراع. أما العلمنة، فحركة داخلية عفوية تاريخية تهم المجتمع. ومن هنا، يتضح أن العلمنة ليست موقفاً سياسياً أو أيديولوجياً، على عكس اللائيكية، فالعلمنة تذهب إلى ما هو أبعد، لأنها مرتبطة بالمجتمع في سياقه التطوّري والتلقائي.

وقد نشأت اللائيكية الفرنسية في تضاد مع الكنيسة، بسبب سلطة الأخيرة الكبيرة، وبسبب وقوفها ضد ثورة 1789، في حين أن العلمانية البريطانية لم تُدخل السلطة في صراع مع الكنيسة، بل أن الملك في المملكة المتحدة يظل رمزياً رأساً للكنيسة. ونرى أن الدستور الإنجليزي يعترف بالكنيسة الأنجلوساكسونية ككنيسة وطنية، لكن ذلك لم يمنع المنظومة القانونية من أن تَخضع لعَقْلنة الحياة وتنوّعها وتغيّرها، كمسار تطوّري. وهذا التطوّر نفسه شهدته اليابان ودول كثيرة، حيث تُعَد العلمانية موقفاً سياسياً وفكرياً. وأما في أميركا، فإن السلطة حرصت على حماية الدين من أي عدوان عليه. وعلى رغم علمانية الدولة الأميركية، يعتبر المجتمع الأميركي ـ على سبيل المثال ـ مجتمعاً متديّناً، وربما كان أكثر تديّناً من العديد من المجتمعات، حيث يَعتبر 82 في المئة من الأميركيين أنفسهم متديّنين، والذين يؤدون الصلوات الأسبوعية في الكنائس يمثّلون 45 في المئة من المتديّنين.

وتعتبر فرنسا أن "اللائيكية" هي التتويج النهائي لمسار العلمنة. وهذه القاعدة الخاصة بفرنسا، تجعل من العلمانية حركة إقصائية للدين، من خلال ادعاء الحياد تجاه المعتقدات والانتماءات الأخرى. لذا، وبطريقة تلقائية ستتحوّل العلمانية الفرنسية بهذا الشكل، إلى معول لهدم الحرّيات. فما الذي يبقى للمتديّنين إن ضُيّق عليهم في الممارسات والطقوس والمناسبات والأماكن المقدسة؟ هذا إذا ما اتفقنا على أن الدين في الوسط (العلماني) يوصف بالنشاط الإنساني المنفصل والمستقل عن الثقافة والسياسة وبقية مناحي الحياة، وهو اختراع حديث، وقد يكون أهم دعائم هذا الوصف اليوم، هو المناخ الذي وفّره المذهب البروتستانتي.

وفي المقابل، وما لا تُلام عليه التشريعات الوطنية لكل بلد، فإن تقديم الدين كشأن شخصي ضروري جداً لحصر الولاء العمومي للدولة القوميّة، أي أن الولاء يكون أولاً للدولة ثم للمعتقد أو الفكر. ويمكن وصف ذلك بهجرة المقدس من المعبد إلى الدولة، فتتحوّل اللائكية بحدّيتها اليوم الى "لائيكتاتورية" أي دكتاتورية العلمانية، وتصبح القومية فيها ديناً جديداً تذوب فيه كل مكوّنات المجتمع العقائدية، في تجاهل تام لسيرورة التطوّر العقائدي والسلوكي للشعوب. ذلك أن الدين كظاهرة اجتماعية، خاضع للتحوّل بحسب الظروف التي يمرّ بها أتباعُه في السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فقد تظهر جماليات الأديان في أزمنة الرخاء والرفاهية، وقد تُخرج مخالبها في لحظات شعورها بالخطر.

والمجتمع الذي تسوده التعدّدية، حريّ به الاتساع لـ "الآخر" واحترام "المختلف"، واعتبار ذلك جزءاً من ثقافة المجتمع ومكوِّناً أساسياً له. ولا يفوتنا نقد كبار الفلاسفة والمفكرين المعاصرين لهذا التوجه، وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929)، حيث يدْعون إلى الاحترام المتبادل والابتعاد عن الإقصاء والوصول إلى مجتمع "ما بعد العلمانية" القائم على تنازلات مشتركة بين الطرفين (أو الأطراف)، كحتمية زوال الدين عند العلمانيين، وتعميق الخلاف الطائفي والفكري لدى المتدينين. فعلى العلمانية الاعتراف بمرجعية الدين في كثير من مبادئها القانونية مثل العدل والمساواة والحرية، وعلى الدين الاعتراف بسلطة العلوم، ودستورية الدولة والديموقراطية في المجال العام لإدارة الاختلاف. أي، أن تكون معتقدات غير متنافية مع المكتسبات العلمية والأخلاقية لهذا العقل وأن تكون قد تخلّصت من مظاهر الغلو اللاعقلاني الذي اتسمت به في الغالب.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة