إدارة بايدن.. وأوهام عودة الإخوان

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

في الطريق إلى إدارة أميركية جديدة بقيادة الرئيس المنتخب، جوزيف بايدن، يتساءل الكثيرون: "هل نحن أمام فرصة جديدة لعودة مشروع الإخوان المسلمين، عربيا وعالميا؟

علامة الاستفهام المتقدمة تمثل لطمة لسياق التاريخ، وكأنها تريد مصادرة حركته مرة وإلى الأبد، ذلك أن القول بتكرار المشهد سيئ السمعة الذي جرت به المقادير عام 2011 يعني السكون، وما الزمان بساكن وإنما في حالة استعداد للوثوب إلى الأمام.

قبل بضعة أيام كان بايدن يصرح بكلام مثير، ردا على ما يجول في عقول الجميع، وفي المقدمة من الكل حركات الإسلام السياسي، وفي القلب منها حاضنتها الأولى جماعة الإخوان المسلمين، وذلك حين قال: "لن تكون ولايتي بمثابة فترة رئاسية ثالثة للرئيس باراك أوباما".

قطع بايدن الطريق على الذين خيل لهم أن الرجل سوف تتلبسه روح أوباما، وأنه ماض على نهجه ولن يحيد عنه، وربما كانت تصريحات أنتوني بلينكن، المرشح لقيادة الدبلوماسية الأميركية الخارجية أكثر وضوحا، فقد أشار الرجل إلى أن إدارة بايدن لن تذهب في طريق عام 2009 أو 2017 أي في الوقت الذي استلم فيه أوباما السلطة، وحين تسلمها منه ترمب، بل إن أميركا ستتعامل مع العالم كما هو، ومع الأخذ في عين الاعتبار وجود لاعبين جدد على المسرح الدولي.

فارق كبير بين رؤية الرجل الخبير دبلوماسيا في شؤون العالم، وأوهام جماعة عرفت بالحماقة والجهالة داخليا، ولا تجيد الإ دروب الخيانة خارجيا.

بلينكن يستعد لزخم إدارة ستحاول القفز على الكثير جدا من العقبات في طريقها، وعلى الرغم من أن الفريق الذي سيعمل بجانب بايدن ربما بالفعل على درجة عالية من المهارة والكفاءة، لكن لا تبدو في الأفق استراتيجية واضحة، أو على الاقل خريطة طريق مبدئية، تحدد الأطر والملامح، وترسم الأولويات والأهداف، وتتطلع إلى المدارات البديلة، للتي كان ترمب يمضي على خطاها.

ربما تعني هذه السطور أول ما تعني أن إدارة الرئيس بايدن في حاجة إلى وقت كاف لترتيب أوراقها الخارجية، ما يفيد بأنها ليست في رفاهية من الوقت لخلق عداوات جديدة، أو مؤامرة مستجدة نحو البعض، إذ يكفيها ما لديها، لا سيما أن تضاريس الرؤى الاستراتيجية الأميركية تكاد تغيب عن الأعين، فما بين أميركا الراغبة في الانعزالية، أميركا أولا بحسب الرئيس ترمب، وبين أميركا الجاهزة لقيادة العالم مساحة واسعة وشاسعة.

الذين تابعوا الأدبيات الإخوانية طوال الحملة الانتخابية الرئاسية، ربما لاحظوا نوعا من الدعم الأدبي الكبير للمرشح جوزيف بايدن، ورغبة في أن يوفي الحظ له، وأن يخلف ترمب من ورائه .

والشاهد أنه ليس سرا أن هناك أوهاما عريضات لا تزال تداعب جماعة الإخوان الموسومة والموصومة بالإرهاب، لجهة إعادة عجلة الزمان مرة أخرى، وعرض مسرحية الوصول إلى الحكم من جديد في زمن بايدن.

ولعل المثير في المشهد الإخواني هذه المرة، هو أنه رجع صدى للتفاعلات الإيرانية مع الإنتخابات الرئاسية الأميركية، تلك التي رأت في ترمب العدو الأزلي الواجب إزاحته عن مسرح البيت الأميركي، وقد حلم الملالي طويلا بأن يسارع بايدن إلى إعادة الإتفاق النووي مع طهران.

وفي كل الأحوال فإن وحدة التوجه الفكري، الإخواني الإيراني، يدلل على أن خطا بيانيا ما يجمع بين الاثنين، وأن التنسيق بينهما جار على قدم وساق، مهما ادعى أي منهما بعكس ذلك.

لم تتوقف جماعة الإخوان عند دعم بايدن بصورة بلاغية إنشائية عبر أبواقها الإعلامية في الشرق الأوسط، أو تركيا وإيران، إذ امتد الأمر ليشمل تحركا لوجستيا واضحا ومفضوحا في الداخل الأميركي لحشد العناصر الموالية لهم لانتخاب بايدن، والأوهام تدور في أذهانهم لجهة قيام الرجل في اليوم التالي لدخوله البيت الأبيض بتجريدة عسكرية يؤدب فيها الدول المارقة، تلك التي خرجت فيها جموع الملايين لطرد المشروع الإخواني، بل واجتثاثه من واقع حالهم.

كارثة المشروع الإخواني بقيادة تركية وقطرية،الخيانة والإرهاب من جهة لأي معطى وطني، والغباء السياسي المطلق من ناحية ثانية، ذلك أن أحدا منهم لم يتوقف على سبيل المثال عند توجهات مستشار الأمن القومي المرشح ليكون اليد اليمنى لبايدن،"جيك سوليفان"، ورؤيته لقطر على سبيل المثال، ودورها الإرهابي في الإقليم برمته، خليجيا وشرق أوسطيا، وعليه يصبح التعويل على قيام بايدن من جديد بتكرار ما فعله أوباما أضغاث أحلام.

على أن ذلك لا يجب أن يمنع شعوب المنطقة من توقع محاولات إخوانية حثيثة لضرب علاقة دول المنطقة بإدارة بايدن الجديدة، والمتابع بنوع خاص لكتائب الإخوان الإلكترونية، يمكنهم أن يرصدوا بدايات للوقيعة بين شعوب المنطقة، وبين واشنطن، ومحاولة تصوير الموقف على أنه بداية مواجهة ساخنة، سوف تقضي في نهاية الأمر بصدام وطلاق بائن إن جاز التعبير.

ما الذي فات الإخوان في حساباتهم وأخرجهم خارج الدائرة الفاعلة والناجزة عربيا وشرق أوسطيا .

باختصار غير مخل، فاتهم أن الشعوب ومن جديد هي التي لفظتهم، وغاب عنهم أن هناك إصلاحات جذرية قامت بها حكومات المنطقة، ورؤى استشرافية تعمل من منطلقات وطنية لصالح المواطنين، ومن أجل غد أكثر أمانا واستقرارا للأجيال القادمة.

لقد أخذت شعوب المنطقة تراهن على قواها الوطنية، في حين ستبقى الإخوان تراهن على الأخر الخارجي، والذي له حكما أجندة براجماتية بعيدة طولا وعرضا، شكلا وموضوعا عن الصالح العام الوطني، إنها حصان طروادة المعاصر الذي كان واضحا أمام اعين الجميع، وقد خدعوا من خلاله مرة، ويصبح من السفه الاعتقاد بأن تلك الشعوب لم تشب بعد عن الطوق لتنخدع فيه ثانية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.