.
.
.
.

​ "الإخوان" وأميركا بين الاستدعاء والاستقواء

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

يقوم فكر التنظيمات الدينية المتطرفة على مفهوم اللادولة، كلما نجحت في إسقاط الدولة بمفهومها الشامل، نجحت في مهمتها بالصعود والسيطرة، وبالتالي هي لا تؤمن بمفهوم الدولة القومية أو الوطنية، ولذلك تراها تستقوي بالخارج من أجل تحقيق أهدافها.

والاستقواء هنا له شقان، إما أنها تستقوي بدولة ما أو نظام دولي وغالباً تكون هذه الدولة معادية، أو أن يتم الاستقواء بالنظام الدولي الذي يُريد حتماً أن يضغط على الدولة المستهدفه، فيتم استخدام هذه التنظيمات في هذه المهمة، ولا شك في أن النظام الدولي له مصالح يُريد أن يحققها من هذه التنظيمات.

الشق الثاني في فكرة الاستقواء، أن تقوم هذه التنظيمات باستدعاء غيرها من خارج الحدود. قد يكون ذلك واضحاً في ما يخص التنظيمات العابره الحدود والقارات، ذات الامتدادات الجغرافية، وقد يكون الاستدعاء لتنظيمات أخرى لا تمثل أصلاً للتنظيم الذي قام بعملية الاستدعاء شيئاً، ولكن الأهداف الواحده هي التي حركت كلاً منهما بهذه الصورة، وهنا تبقى الدولة في مواجهة قوى خارجية قد لا تصمد أمامها.

دول الشرق الأوسط من أكثر الدول التي تتعرّض لهذا الابتزاز، سواء من النظام الدولي وبعض الدول الكبرى أو من تنظيمات دينية متطرفة لها وجود على أراضيها. هذه التنظيمات لها أهداف ومطالب تضغط من أجلها بين الفينة والأخرى، وإذا لم تتم الاستجابة لهذه المطالب نجد تكثيفاً للعمليات الإرهابية التي تخلق فوضى داخل البلاد، ثم ندخل في موجة من الضغوط الدولية بحجة حقوق الإنسان.

حركة "الإخوان المسلمين" من أهم التنظيمات الدينية المتطرفة التي لها باع في الاستدعاء والاستقواء والمراهنه على الخارج، لاعتبارين مهمين، أولهما، أنها اعتادت هذا الاستقواء ورضيت به منذ بدايات النشأة عندما قبل مؤسسها الأول حسن البنا، مبلغ ثلاثمئة جنيه على سبيل التبرع من المحتل البريطاني، فأعطى هامشاً للإمبرطورية البريطانية في هذا الوقت للسيطرة على التنظيم الوليد في هذا الوقت، ولم يكن للجماعة ولا لمؤسسها أي حرج في ذلك، كما تم استدعاء هذا المحتل ضد القصر والملك في ذلك الوقت، وكانت مصر وقتها تقع تحت الانتداب البريطاني.

الاعتبار الثاني الذي توافر في "الإخوان" ودفعها دفعاً للاستقواء هو نشاط التنظيم في أكثر من 85 دولة في العالم، فوجدنا "إخوان" بريطانيا حاضرين بقوة في كل ما يخص "الإخوان" في مصر، بخاصة في القضايا التي حوكموا على أثرها في التسعينات من القرن الماضي، فتم استدعاء كل منظمات حقوق الإنسان ووزراء عدل سابقين في لندن للضغط على النظام السياسي في مصر، وهدف هذا الضغط هو تقليل عدد القضايا وتخفيف العقوبة فيها أو منع المحاكمات من أساسها.

من صور الاستقواء الأخرى، الضغوط التي مارسها نجم الدين أربكان، رئيس الوزراء التركي السابق على النظام السياسي في مصر، من أجل إتاحة مساحة لقيادات "الإخوان المسلمين" للعمل من دون أي معوق. هذه الضغوط بدأت منذ أن وصل أحد قادة "حزب الرفاه" وهو من "الإخوان المسلمين" الى السلطة في تركيا، وهو ما أتاح له فرصة الالتقاء مع القيادات السياسية في مصر، وقد مارس أربكان ضغطه على الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، أثناء زيارته مصر في التسعينات من القرن الماضي، وهو ما رفضه الأخير ورد عليه باحتجاج الى رئيس الدولة آنذاك سليمان ديميرل، مطالباً إياه بإلزام رئيس وزراء بلاده بعدم التدخل في الشأن المصري وبخاصة ما يتعلق بـ"الإخوان المسلمين".

وحتى نكون منصفين في الطرح، هناك حالة من التوحّد جمعت تنظيم "الإخوان المسلمين" والدول التي تم الاستقواء بها، فعلى قدر احتياج "الإخوان" لهذه الدول واستعانتها بها، على قدر سعي هذه الدول أيضاً لتوظيف الجماعة وغيرها من التنظيمات الدينية المتطرفة. استغلال وتوظيف واستقواء ومزايدة. أهداف متبادلة.

بدأ الغزل الأميركي لحركة "الإخوان المسلمين" أكثر وضوحاً، ربما، خلال العقدين الماضيين، مع بدايات مخاض التغيير الذي شهدته المنطقة وما قبله أيضاً. اعتبرت أميركا وقتها أن تنظيم "الإخوان" هو القوة المنظمة في المنطقة إن لم تكن الوحيدة، وعلى هذا الأساس بدأ الاستدعاء والاستقواء، ولعله بدا أكثر وضوحاً منذ ظهور الرئيس الأميركي المنتحب جو بايدن وترتيبات تسلمه مفاتيح البيت الأبيض خلفاً لدونالد ترامب، الذي رأت فيه الجماعة حاجزاً أمام مصالحها.

قبل الخوض في شكل العلاقة التي حكمها الاستدعاء والاستقواء ونوعها يمكن التذكير بأن علاقة "الإخوان المسلمين" بالولايات المتحدة تحدّدت ملامحها بعد ثورة تموز (يوليو) عام 1952، وكانت أكثر وضوحاً عندما اصطدم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالتنظيم بعد الثورة بعامين وتحديداً عام 1954، ونظراً لتوتر العلاقة بين عبد الناصر والولايات المتحده الأميركية كان "الإخوان المسلمون" الطرف المهم في هذا الخيط الذي لعبت عليه أميركا واستفاد منه "الإخوان".

استقبلت أميركا "الإخوان" في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي على خلفية الصدام الذي أشرنا إليه، وقد بنوا قاعدة لهم في قلب الولايات المتحدة الأميركية، ما زالوا ينطلقون من خلالها أو يستغلونها في التواصل مع ساكني البيت الأبيض وأعضاء الكونغرس الأميركي وبقية المؤسسات الأميركية.

استفادات الجماعة من وجودها على الأراضي الأميركية وضغطت على الأنظمة السياسية المتعاقبة في البلاد من خلال هذه العلاقة، حتى وصل الأمر الى أن أشرفت أميركا على تسليم السلطة لـ"الإخوان" عام 2012، وظل هذا الدفاع وحالة التناغم هذه حتى بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) من عام 2013 وما بعدها.

واشنطن استغلت "الإخوان المسلمين" في مشروعها السياسي وخلافها مع الاتحاد السوفياتي عام 1979. كان "الإخوان" وقود المعركة التي حرّكتها الولايات المتحدة ضد السوفيات آنذاك، وكان "الإخوان" التيار الأهم والأبرز مع تيارات دينية أخرى، وبعد انتهاء هذه الحرب كوّن "الإخوان" مع تيارات دينية أخرى تنظيم "قاعدة الجهاد" الذي تَشكل من رحمه في ما بعد تنظيم "داعش"، فحالة التناغم والاتفاق بين عبد الله عزام، أحد قيادات "الإخوان المسلمين"، وأسامة بن لادن، أسفرت عن التنظيم الذي ملأ الدنيا إرهاباً.

ما نريد أن نقوله بعيداً عن السرد التاريخي الذي يؤكد العلاقة بصورة كبيره، إن "الإخوان المسلمين" مع التنظيمات الدينية المتطرفة يستقوون بالخارج وبأميركا على دولهم، وإن هذه الحالة لم تكن جديدة ولا يمكن اعتبارها حاله استثنائية، فالتاريخ يشهد على شكل العلاقة ونوعها، والحاضر يشهد على شكل العلاقة ونوعها، والتي أخذت بعداً علنياً دفع التنظيم، في بيانه الذي ثمّن فيه وصول بايدن الى الرئاسة، الى حد مطالبته بالتدخل في الشأن المصري.

استعد "الإخوان المسلمون" لوصول جو بايدن الى البيت الأبيض بملفات عديدة بهدف الضغط على النظام السياسي في مصر، وحتماً سوف يستخدمهم الرئيس الأميركي أداة ضغط على عدد من الأنظمة السياسية في بعض البلدان من أجل تحقيق مصالح أميركا في هذه المنطقة، ما يؤكد فكرة الاستدعاء والاستقواء التي تحدثنا عنها وللحديث بقية.

نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.