.
.
.
.

التفكير بأدوات الماضي!

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

كلُ منّا يولد في ثقافة تحدد له ما هو (السليم) وما هو (الأعوج) في الشأن العام وفي الشأن الخاص، وحتى لو تعلم الشخص ومر بتجارب في حياته، فإن الكثير من المحددات يحملها معه وتبقى راسخة في وجدانه، لذلك فإن الرغبة لدى البعض في أن يفكر الناس جميعهم بطريقة واحدة أو حتى متقاربة هو تفكير في حد ذاته (أعوج)، فالناس تستجيب لمصالحها ورغباتها وحتى لدوافعها النفسية مما تعتبره من قيم عليا مؤمنة بها.

يصح ذلك في السياسة والاجتماع وحتى في الأديان، وبعض المجتمعات تذهب الى الحروب للدفاع عن (قناعاتها) أو (تصوراتها) انها قناعات ثابتة، أو ما تعتبره (مصالحها) في الحياة. فالدين المسيحي كما نرى اليوم يحمل من ضمنه اجتهادات شتى، وكذلك الدين الإسلامي وأيضاً اليهودي، بل وحتى الأديان غير السماوية فيها من التعددية ما في بقية الاجتهادات الإنسانية، بل أن المذهب الواحد في مكان جغرافي يختلف في التفاصيل عن المماثل في جغرافية أخرى بسبب اختلاف الثقافة، فالتجانس أسطورة تقلل قدرة المجتمعات على الإقلاع.

هذه المقدمة التي اعترف بها معظم الفلاسفة في القرون الأخيرة، قادتهم ليس للبحث عن (التوافق) الشامل بل النسبي والقائم على ما يعرف بالخير العام، أو ما يمكن اقناع الأكثرية بأنه الخير العام، لذلك بُنيت المؤسسات الوطنية والدولية كونها آلية للوصول الى ذلك التوافق النسبي، بعد أن دفعت البشرية أنهاراً من الدماء وهُدمت آلاف المدن. تلك الحقيقة الإنسانية (بناء آلية) وصلت اليها مجتمعات نسميها اليوم المجتمعات الصناعية الغربية (وقد تكون في الشرق) بالكثير أو القليل من النضج! ولم تصل اليها مجتمعات أخرى وإن حاولت، كمجتمعاتنا العربية، حيث يتغلب مفهوم (الخير الخاص) الشخصي او الطائفي او القبلي أو المناطقي على الخير العام الوطني، وأن ما تراه تلك المجموعة من الناس يتوجب اتباعه طوعاً أو قسراً وهو ما يؤسس للسلطوية، والمجتمعات الأخيرة هي التي تشهد الصراعات الساخنة او الباردة اليوم، وتفوت على مجتمعها كلل الاستقرار والتنمية وبناء دولة حديثة.

قناعة بعض اليمنيين أنهم يمكن أن يفرضوا وجهة نظر (سياسية - مذهبية) قادمة من الماضي على المجتمع اليمني، عرّضت اليمن ويدفع معظم أهلها للفاقة والمرض والجهل والتخلف، ويحوّل الدولة الموعودة الى لا دولة تتحكم فيها الميليشيات. على مقلب آخر، قناعة بعض اللبنانيين باعتقادهم أنهم يمكن أن يحرروا القدس ويتيحوا للشعب الفلسطيني كل الحرية والاستقلال، مستعينين بمال وعتاد إيراني، ولبنان دولة صغيرة، في الوقت الذي سالمت فيه الدول المحيطة بإسرائيل مثل مصر و الأردن وغيرهما من دول العالم، لا يترك لبقية اللبنانيين إلا الفاقة والمرض والإفلاس والتخلف، وفي الأخير لا دولة، حيث يضطر بعضهم الى السير في أطروحة التحرير ترهيباً لا ترغيباً.

الركون الى الحل الديني في إيران وانتظار شخص ما (يعود الى الحياة) بعد موت، ويصبح وكيله على الأرض هو المتحكم في حياة الناس وطريقة عيشهم لكثيرين هو نوع من الفانتازيا السياسية الخيالية، يورث من جديد الفقر والقمع والتردي الاقتصادي ومصادرة الحريات وإشاعة العداء في الجوار. وعندما تثار العاطفة الدينية في بلد مثل تركيا وتتبعها أحلام العودة الى الإمبراطورية العثمانية تسقط الدولة التركية الحديثة في التسلط والتردي الاقتصادي والعداء للجوار. تلك أمثلة من أخرى عديدة تقودنا الى القول إن هناك (مصفوفة) فكرية يسميها البعض (إيدولوجية) تعتمد اعتماداً كلياً على (ماضٍ) متخيل تجتهد تلك المجاميع والقوى الى استحضاره وإعادته، وهكذا يفكر (الإسلام الحركي) بكل تشعباته. انه (تغليب الأقل على الأكثر) إلى جانب تشوه في فهم (الزمن)، فبعض القوى لا تعترف بمرور الزمن حيث أنه بمرور الزمن تتغير الأشياء. الاعتراف بمرور الزمن له علاقة بتطور الشعوب وتقدمها، وإنكار (تغير الزمن) وفرض التجانس له علاقة بتخلف الشعوب وفقرها وحروبها البينية.

لو قيل لأحدنا اليوم أن القهوة التي نتناولها في الصباح هي (حرام) لربما ضحك بملء فمه، ولكنها كانت كذلك لمئات السنين لدى أجدادنا وخاض بعضهم معارك طويلة من أجل شرب القهوة في السر! ولو قيل لأحدنا اليوم إن (المطبعة) حرام، لتعجب ورمى القائل بالعته، لكنها بقيت على أبواب العالم الإسلامي ثلاثة قرون من دون أن يسمح لها بالدخول لأنها حرام بعدد من الفتاوى، وكذلك استخدام البارود كان محرماً وغير ذلك، حتى إسالة الماء في المنازل ولبس البنطال منذ وقت ليس ببعيد كانت (حراماً)... تلك امثلة لما نمارسه اليوم على انه (حرام) او (خيانة) والتي يروج لها (الدعاة) و (المندوبون) السياسيون. ما اصطدمت ثقافة بفكرة العودة الى الماضي وفرض التجانس ألا واصطدمت بجدار صلب. عودة الخلافة كمثل عودة الغائب، كمثل عودة (الحجاب) كمثل عودة (الامبراطوريات) كلها عوارض لأعياء ثقافي مزمن فاقمته حدة الصراعات حولنا وزاده مع الأسف انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي نشرت الخبائث الأكثر ضرراً وقادت الى التعصب والتطرف.

خلق وعي يرتقي بالإنسان الى مستوى حضاري أفضل ويقربه من شاطئ النجاة، هو فعل ثقافي يتطلب أولاً شجاعة أدبية، ليس شخصية ولكن جماعية، وأخذاً بالواقع المعاش... دونذاك فإن شاطئ السلامة ما زال بعيداً...

نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة