.
.
.
.

انتقال السلطة الأمريكية

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

انتهت مرحلة ما بعد إعلان نتيجة الانتخابات الأمريكية بسلام نسبى، فبعد أسبوعين من الشغب القانونى أعلنت «إيميلى دبليو ميرفى» المسؤولة فى إدارة الخدمات العامة عن انتقال السلطة فى الولايات المتحدة الأمريكية عن أنها قد حصلت على ما يكفى من شهادات التصديق على نتيجة الانتخابات لكى تبدأ هذه العملية. كان واضحا أن الرئيس دونالد ترامب قد أعطى ضوءا أخضر لموظفيه للاستجابة لهذه الخطوة، استنادا إلى قاعدة ارتآها سياسيا مناسبة له، وهى أنه سوف يقبل انتقال السلطة أو Transition، لكنه لن يقبل التنازل عنها Concession. ومعناها أنه سوف يمتثل للأوضاع القانونية التى لم تسر فى صفه بانتهاء معظم البلاغات التى قدمها بتزوير الانتخابات إلى لا شىء تقريبا، وما حصل عليه لا يغير شيئا من نتائج الانتخابات، لكنه لن يقبل حقيقة هزيمته، فقبل وبعد كل شىء فقد منحه ٧٢ مليونا من الشعب الأمريكى أصواتهم، وهم لم يفعلوا ذلك لأنه كان رئيسا جمهوريا، وإنما لأنه دونالد ترامب الذى خلق سياسات جديدة للدولة الأمريكية تختلف جذريا عن تلك التى خطاها منافسوه، سواء كانوا فى الحزب الجمهورى أو الديمقراطى بالطبع. ترامب أصبح فى الفترة الانتقالية يعد لمستقبله السياسى القادم، لكنه قبل ذلك كان عليه من وجهة نظره أن يصفى حساباته مع من اقتنع بخيانتهم له، ويعفو عن هؤلاء الذين افتدوه وحكم عليهم بالسجن أو كانوا فى طريقهم إليه. باختصار فإن ترامب استخدم سلطاته الباقية حتى فى مرحلة «البطة العرجاء» فى الثواب والعقاب، والتحضير لمرحلة قادمة فى السياسة الأمريكية لا يكون فيها حزبان ديمقراطى وجمهورى يتبادلان السلطة، وإنما هناك حزبان أحدهما الآن فى السلطة (الديمقراطى) والآخر فى المعارضة (الجمهورى)، وهى معارضة مقاتلة على ما يعد أصيلا فى الولايات المتحدة من قيم ومبادئ. فالحقيقة من وجهة النظر هذه أن الانتخابات لم تحسم الأمر، فلا كانت هناك موجة «زرقاء» تعطى للديمقراطيين ما يكفى لإدارة الدولة كما يرون؛ ولا كانت هناك موجة «حمراء» تنقذ ترامب من عقاب الكورونا. الموقف «الترامبى» من الأشياء هو الوعيد للديمقراطيين فى السنوات الأربع المقبلة؛ وربما يكون الوعيد أيضا للجمهوريين الذين يتقاربون معهم.

على الجانب الآخر من المعادلة الأمريكية، فإنه كان على الرئيس المنتخب «جو بايدن» أن يقوم بالدور الذى عليه القيام به فى إظهار أنه يختلف اختلافا جذريا عن سابقه، فى الشكل والمضمون معا. انتقال السلطة تحت قيادة بايدن يختلف تماما عن انتقالها حينما كان ترامب هو الذى سينتقل إلى البيت الأبيض. ونظرا لأن ترامب لم يكن معدا لا نفسيا ولا سياسيا أنه سوف يكسب الانتخابات، فإنه لم يكن معدا على وجه الإطلاق لكى يكون رئيسا، فضلا عن تصور أنه سوف يمر بمرحلة الانتقال هذه؛ لذا كانت هذه الفترة ممتلئة بالفوضى وعدم الاستقرار على شىء، وهو ما صبغ بعد ذلك اختياراته للمناصب المختلفة، والدوران السريع للقيادات فى عهده، وتقلبه بين الراشدين والموالين والتابعين. بايدن كان جاهزا منذ اللحظة الأولى لإعلان فوزه، حتى قبل التصديق عليه رسميا، عندما كانت لديه مجموعة الاثنى عشر خبيرا فى القضية التى وضعها على رأس أولوياته وهى هزيمة الفيروس التاجى. وبشكل ما كان بايدن محظوظا وهو أن بشرى اللقاح والعلاج باتت ممكنة، ولم يبق فيها إلا وقت التصنيع والتوزيع والوصول إلى الجماهير العامة. وهو نوع من الحظ حاول ترامب أن يشارك فيه، بل ويدعيه لنفسه لأنه الرجل الذى تمت فى عهده جهود البحث عن العلاج. وربما ساعد ترامب على بعض من الحظ هو أن البورصة الأمريكية تعدت ٣٠ ألفا من النقاط لأول مرة فى التاريخ الأمريكى؛ وهو أمر لا يمكن معرفة سببه بدقة، وهل كان ذلك لأن ترامب ساهم فى الاستعداد لهذه النتيجة الاقتصادية الباهرة، أو أنها حدثت لأنه خرج من السلطة وجاء بايدن إليها، مما يبشر بمستقبل واعد.


على أى الأحوال فإن بايدن كان صادقا مع نفسه، وجاء بشكل ثابت، ومرتديا «الكمامة» بتقديم فريقه للأمن القومى الذى ارتدى هو الآخر «الكمامة» للتدليل على الفارق الذى بينه وبين إدارة ترامب التى كانت تكره ارتداءها أو تراها واجبا لقيادة الشعب الأمريكى نحو الوقاية من البلاء. النخبة الاستراتيجية للرئيس الجديد عكست بشدة ما يقوم عليه الحزب الديمقراطى من تجمع للأقليات، والتعايش ما بين التقدميين والمعتدلين، وكلاهما يتفق على القيم الليبرالية، لكن الأولون لهم إجراءات جذرية فى وضعها موضع التطبيق، بينما الآخرون يرون أنه لابد من اختيار أوقات مناسبة يكون التوافق القومى وليس الحزبى مواتيا لتطبيقها. الأسماء التى عرضت للمناصب القيادية كلها فى العموم آتية من داخل الأروقة التنفيذية للدولة الأمريكية، والتى كانت قريبة من بايدن شخصيا خلال حياته السياسية الطويلة كانت هى الواجهة الأساسية لمجموعة المخلصين الوطنيين الذين يسيرون فى الأمور بما قالت به الكتب واللوائح والقوانين الموضوعة، فلا مجال فيها لا لشخصيات مثل هنرى كيسنجر أو جيمس بيكر؛ ولا لشخصيات مثل هيلارى كلينتون أو مادلين أولبرايت. «آنتونى بليكن» وزير الخارجية وجيك سوليفان، مستشار الأمن القومى، يمثلان الصورة النقية لهذه المجموعة فى التاريخ الطويل من الخبرة على سلم الارتقاء التنفيذى. المرأة حصلت على جزء غير قليل من الكعكة، وسواء كانت «آفريل هينز» البيضاء التى ستقود وكالة المخابرات المركزية أو إفريقية الأصل لندا جرينفيلد التى ستقود العمل فى الأمم المتحدة، فإن كلتاهما تعبران عن تيارات نافذة فى الحزب الديمقراطى. ذهاب الأمن الوطنى إلى صاحب الأصل اللاتينى آلى جامدورو يكمل عملية التمثيل العرقى الأمريكى فى جماعة حراس الأمن القومى. الوحيد الذى يبدو خارج هذه الصورة الكلية وزير الخارجية الأمريكى والمرشح الديمقراطى السابق للرئاسة يبدو السياسى الوحيد فى الجماعة، ومنصبه كمسؤول للأمن القومى عن قضية الاحتباس الحرارى وهو الرجل الذى وقع اتفاقية باريس للتغير المناخى والتى أخرج ترامب الولايات المتحدة منها، يمثل جمعا ربما كان مقصودا بين الخبرة والسياسة.


بايدن هكذا اعتمد صورة المقابلة، والتضاد، فى الشكل والمضمون مع ترامب، وبقى بعد ذلك ما سوف يترجم ذلك إلى سياسات لا تحوز فقط قبول ٧٦ مليونا من الناخبين الذين انتخبوه، وإنما أيضا تكون كافية لجذب كل أو بعض من ٧٢ مليونا انتخبوا خصمه ترامب الذى يختلف معه فى كل أمر تقريبا. هؤلاء الذين لم ينتخبوه وانتخبوا منافسه كانوا يعلمون تماما بمثالبه السياسية والأخلاقية والتنظيمية أيضا، ومع ذلك فقد سارعوا إلى صناديق الانتخابات لصالحه، وأكثر من ذلك أيدوه فى تمرده على نتيجة الانتخابات بالمظاهرات والاعتصامات، هؤلاء سوف يكونون الكابوس الذى على بايدن مواجهته فى الداخل، أما فى الخارج فإن ذلك أمر آخر يطول فيه الحديث.

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة