.
.
.
.

مصر: سقوط الدولة الموازية

محمد صلاح

نشر في: آخر تحديث:

أخطر ما يمكن أن يواجه الدولة الوطنية، تأسيس دولة موازية بواسطة كيان له أتباعه ومناصروه وموازنته المالية وكذلك داعموه من الخارج. حدث هذا في لبنان بواسطة "حزب الله" والعراق بواسطة "الحشد الشعبي" واليمن مع "الحوثيين" وليبيا بواسطة "الإخوان المسلمين" وحلفائهم، والمؤكد ان تنظيم "الإخوان" في مصر، وعلى مدى عقود، سعى إلى تأسيس حياة موازية لإعضائه وعناصره ومؤيديه، فلم يكن العنصر "الاخواني" مضطراً للعلاج في مستشفيات الدولة او تلك التي تتبع القطاع الخاص، فلدى الجماعة مراكزها الصحية ومستشفياتها، أما أولاد الجماعة، فالتحقوا بمدارس يملكها ويديرها ويدرس فيها مدرّسون ينتمون إلى التنظيم، ولم يكن هناك شارع في مصر يخلو من محل او متجر او مجمع تسويقي او حتى معرض للسيارات، يرفع راية الإسلام، ويبيع السلع للمواطنين بأسعار أرخص من تلك التي تسود في الأسواق، ناهيك ببناء العقارات بل والقرى السياحية الساحلية وبيع الشقق والشاليات والفيلات. نعم كان هناك اقتصاد موازٍ تعلم عنه الدولة وتركته ينمو حتى كاد يطيح بالاقتصاد الرسمي ويدمره، ونجحت الجماعة أيضاً في سرطنة المؤسسات الحكومية ودواوين الوزارات ومراكز الخدمات التابعة للدولة بعناصرها، وفي أدبيات الفن المصري من سينما ومسرح ومسلسلات مئات النماذج التي سخِرت من سماح الدولة لـ"الإخوان" بتلك الممارسات.

تبدلت الأوضاع وتغيرت الظروف بعد إطاحة حكم "الإخوان" في عام 2013 واعتمدت الدولة خطة للقضاء على الدولة الموازية، وسارت في برنامج للإصلاح الاقتصادي تضمن بنوداً وإجراءات وخطوات عدة بينها القضاء على النفوذ المالي لتنظيم ظهر أن ولاء عناصره لمرشده يفوق ولاءهم للوطن وأن الأرباح التي حققتها استثمارات التنظيم ومشروعاته ذهب بعضها لتمويل عمليات ارهابية أُزهقت فيها ارواح المصريين. صحيح أن الكائن "الإخواني" ما زال يعيش عالمه الافتراضي وحياته الموازية بينما مصر تعيش واقعاً آخر غير ذلك الذي زرعه التنظيم في عقله، لكن المحصلة أن محاولات "الإخوانط لتأسيس قوة على الأرض سواء بميليشيات او جيش خاص بالتنظيم فشلت، وهذا ما يفسر حالة النكران التي يعيشها كل "إخوانيط تجاه أي إنجاز يتم في مصر، فالتنظيم نجح في سجن عقول عناصره داخل الإطار الدلالي الذي يحدد لهم من دون غيره.

يكاد لا يمر شهر من دون الإعلان في مصر عن إنجاز مشروع كبير بلا صخب أو دعاية ضخمة، ورغم الحملات الكثيفة من جانب "الإخوان" وداعمي الجماعة للإساءة إلى كل مشروع وأي انجاز وتصدير صورة نمظية إلى العالم مفادها أن مصر من دون "إخوان" تسير في اتجاه الجحيم، إلا أن الصورة على أرض الواقع تشير إلى أن مصر تغيرت كثيراً، ليس فقط على مستوي البنية التحتية من طرق وكهرباء ومشروعات سكنية واستصلاح للأراضي وإعادة تأهيل الترع والمصارف، ولكن الأهم على مستوى ثقة المواطن في أن بلده تخطى مرحلة "الإخوان" ويندفع في اتجاه تجاوز أمراض الماضي وجراحه وطوى صفحات الفوضى والاهتراء والتسيب والإهمال. نعم دفع المصريون ثمناً باهظاً ليصلوا إلى ما وصلوا اليه الآن حتى تخطت البلاد المظاهر السلبية التي كانت سبباً في ثورة أطاحت نظاماً عتيداً امتد حكمه لنحو ثلاثة عقود، وأخرى وجهت ضربة قاصمة إلى أقدم تنظيم تاجر بالدين لأكثر من ثمانية عقود، وأطاحت أحلامه في أن تتخذ من مصر مركزاً للانطلاق للسيطرة على بقية دول العالم الإسلامي.

يروج قادة "الإخوان" لخطاب سياسي مفاده أن تنظيمهم سيعود إلى السلطة في مصر، وتسير على النهج نفسه منصات إعلامية تضم عشرات لا بل مئات المواقع الإلكترونية وكذلك فضائيات مؤيدة لـ"الإخوان" وداعمة لتنظيمهم، على رأسها تلك التي تبث من اسطنبول ولندن والدوحة، ورغم أن الناس في مصر يسخرون من القائمين عليها وضيوفها والأخبار المفبركة التي تروج لها، فإن شيئاً لم يتغير حتى الآن "وكأن العناد السياسي والطيش الميداني والجنون الإعلامي من مفردات نشاط الجماعة"، أما الإرهاب، فرغم مرور سنوات، أو قُل عقوداً، على بدايته في مصر فإن منفذيه والداعمين له تسيطر على عقولهم أساليب نمطية أيضاً تجعلك تتوقع النهاية نفسها لهم كما كانت نهاية من سبقوهم، والمسألة فقط تحتاج إلى نفس طويل،‍ ونفس الدولة أطول. ولو كان تنظيم الجماعة الإسلامية الذي اغتال عناصره بالتعاون مع جماعة "الجهاد"، الرئيس الراحل أنور السادات نجح في تحويل مصر إمارة إسلامية لكان نجح "أنصار بيت المقدس" في سيناء أو "جند الله" في الدلتا في إعادة "الإخوان" إلى القصر الرئاسي!.

الفارق بين ثقل تلك التنظيمات الإرهابية كلها وبين القوى التي استطاعت تأسيس كيانات في دول أخرى، أن الأولى ظلت فقط مجرد تنظيمات إرهابية تقاتل ضد مجتمع متماسك بجيشه وشرطته وفئات شعبه، بينما في دول أخرى تضخمت وترسخت ونافست الدولة ... وابتلعتها.

نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة