.
.
.
.

الأيام الوطنية والعالمية مناسبات تثقيفية أم فرص ترويجية دعائية؟

سوسن مهنا

نشر في: آخر تحديث:

تثير بعض "الأيام العالمية" التي يتم إحياؤها بشكل متكرر في الآونة الأخيرة الاستغراب أحياناً؛ إذ إنه من الممكن أن يصادفك وأنت تتابع أحد التطبيقات الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي، حساب أخصائية تجميل مثلاً وهي تحتفل مع أطباء تجميل بـ"يوم البوتوكس" في لبنان، وسرعان ما يتبين أن هذا اليوم هو عبارة عن دعوة وترويج لحقن البوتوكس التي لم يعد كثيرون حول العالم، من النساء والرجال، قادرين على الاستغناء عنها.

فما الهدف من إحياء هذه "الأيام العالمية" أو المحلية؟ وهل جميعها معتمدة من قبل منظمة الأمم المتحدة؟ أم أن مهمتها تنحصر في الترويج الإعلاني والدعائي؛ إذ إنه نظراً لكثرتها والمبالغة فيها، أصبحت كل أيام السنة تقريباً أيام دولية أو وطنية لمناسبة أو شيء ما.

الأيام الدولية تثقيفية

هدفت الأيام الدولية أساساً إلى تثقيف عامة الناس حول قضايا ذات أهمية صحية أو اجتماعية أو سياسية، أو من الممكن أن تكون احتفالات بإنجازات إنسانية. وتتبنى الأمم المتحدة هذه "الأيام" كأداة لنشر الوعي وسبل السلامة ولترسيخ الأفكار في عقول الناس. وتقوم الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ كونها أكثر الأجهزة تمثيلاً في المنظمة الدولية، بمهمة تحديد تاريخ الاحتفال بـ"الأيام الدولية" التي تقترحها الدول الأعضاء، بعد توافق الآراء.

وترتبط موضوعات "الأيام الدولية" دائماً بمجالات العمل الرئيسة للأمم المتحدة، كصون السلام والأمن الدوليين وتعزيز التنمية المستديمة وحماية حقوق الإنسان وضمان القانون الدولي ودعم العمل الإنساني وقضايا عالمية قد تكون مختصة بمنطقة معينة من العالم، ولكن من باب الإضاءة ولفت أنظار العالم أجمع إلى القضية المعنية. وتشرح قرارات الجمعية العامة دوافع إعلان الاحتفال باليوم الدولي، ويعطي كل يوم دولي فرصةً لجهات فاعلة عدة لتنظيم نشاطات متعلقة بموضوع "اليوم". وتسعى مؤسسات ومكاتب الأمم المتحدة، بالإضافة إلى الحكومات والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والمواطنين عامة، إلى جعل اليوم الدولي نقطة انطلاق لنشاطات التوعية الخاصة بموضوع "اليوم العالمي" المحدد وأهدافه. ومن الأمثلة على ذلك، القرار الذي حدد يوم 23 يونيو (حزيران) يوماً دولياً للأرامل، وينص على أن "الأمم المتحدة تشعر بقلق عميق من أن ملايين الأطفال من أبناء الأرامل يواجهون الجوع وسوء التغذية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والمياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي، إضافة إلى فقدان فرص الحصول على التعليم اللائق وانتشار الأمية وظواهر الاتجار بالبشر وعمالة الأطفال".

وسائل التواصل ساهمت بانتشار احتفاليات بمواضيع "تافهة"

في شهر يوليو (تموز) 2019 اختبرت إيران صاروخاً باليستياً، وواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتهامات بالعنصرية من قبل سكان بالتيمور، وذلك على خلفية وصفه منطقتهم بأنها "فوضى مقززة ومليئة بالفئران والقوارض"، وأن "الجرائم العنيفة فيها أسوأ من الوضع في هندوراس"، ومع ذلك كان الوسم الأكثر شيوعاً أميركياً في 31 يوليو على موقع "تويتر" هو "اليوم الوطني للأفوكادو" NationalAvocadoDay، حيث شارك المغردون الوصفات والحكايات حول هذه الفاكهة.

وقد يصدم المتابع بالأيام الوطنية في الولايات المتحدة؛ إذ هناك "يوم للاسترخاء الوطني"، و"يوم الآيس كريم الوطني"، و"اليوم الوطني للكلاب"، و"اليوم الوطني لصانع الثقاب"، وغيرها.

أهداف تجارية

لا تعترف الحكومات بأيام وطنية كثيرة، ولكن إطلاق هذه الأيام والحفاظ عليها، بات ظاهرة ذات آثار مالية هائلة. ويستخدم العديد من تلك "الأيام"، أو حتى يتم اختراعها، لإقناع الناس بالحديث عن المنتجات والخدمات، وهذه حاجة تسويقية للمنتج قد لا يحققها الإعلان التقليدي. فمثلاً إذا ما تابعنا "اليوم الوطني للآيس كريم" في الولايات المتحدة وسر نشأته، لوجدنا أنه في عام 1984 أعلن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان أن الآيس كريم، أو البوظة "طعام مُغذٍ وصحي"؛ بهدف مساعدة صناعة الألبان في الولايات المتحدة، حيث كان بالفعل يحاول إيجاد طريقة للتخلص من فائض 500 مليون رطل من الجبن. وفي السنوات التالية ارتفعت مبيعات الآيس كريم، وقدمت متاجر البوظة ذات شهرة عالمية مثل "ديبين دوتس" (Dippin D’ots)، و"باسكين روبنز" (Baskin-Robbins) عروضاً ترويجية وهدايا داخل متاجرها في "يوم الآيس كريم الوطني" في عام 2019.

ولا يختلف الأمر في بلدان العالم الأخرى؛ إذ يحتفل عديد من الدول أيضاً بمناسبات قد تكون سخيفة وغير مهمة بالنسبة إلى دول وثقافات أخرى. وبعد أن يُطلق "يوم وطني" ويصبح له متابعون، يلاحظ أن أحداً لا يهتم أو يتذكر ما إذا كان "رسمياً" أم لا. وقد ينسى الناس ببساطة أحد "الأيام الوطنية" تماماً، حتى لو كان موجوداً فعلياً، فمثلاً "أشهر التسوق" التي أصبحت موضة رائجة في بعض الدول، أو ما يعرف بـ"الجمعة السوداء" (Black Friday)، أو حتى عيد الحب (Valentine’s Day)، والتي قد تكون غريبة أو جديدة على الثقافة العربية، لكن هناك تواريخ قد تكون محورية، مثل "اليوم العالمي للمرأة" في 8 مارس (آذار)، وتم اعتماده حين خرجت 15 ألف امرأة في مسيرة احتجاجية في عام 1908، بشوارع مدينة نيويورك الأميركية، للمطالبة بتقليل ساعات العمل وتحسين الأجور والحصول على حق التصويت في الانتخابات. وفي العام التالي، أعلن الحزب الاشتراكي الأميركي أول "يوم وطني للمرأة"، واقترحت كلارا زيتكن جعل هذا اليوم ليس مجرد يوم وطني؛ بل عالمي، وعرضت فكرتها تلك في عام 1910 في مؤتمر دولي للمرأة العاملة عقد في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن.

مؤشر تأثير هذه الأيام الدولية أو الوطنية

يُقاس التفاعل الشعبي مع "الأيام الدولية" بواسطة مواقع التواصل، ويعد مؤشراً على الاهتمام الذي يجتذبه موضوع معين في كل جزء من العالم. ولتحديد مدى ذلك الأثر، يستطلع القائمون على مواقع التواصل مستوى المشاركة التي تتلقاها هذه الاحتفالات في مناطق ولغات مختلفة في العالم. ومن الحالات التي تستحق الذكر "اليوم الدولي لحقوق الإنسان" في 10 ديسمبر (كانون الأول)، الذي يشهد مشاركات في دول عدة من العالم، تتراوح بين تبديل الشرطة لعتادها بمعدات رياضية في جنوب السودان، إلى تنظيم مسابقات طلابية في روسيا، أو معارض فنية في البرازيل. وتعد الاحتفالات الدولية (والتي تشمل أيضاً الاحتفال بالأسابيع والسنوات والعقود الدولية) من أكثر الصفحات التي تُزار على موقع الأمم المتحدة، والتي تتوفر على شكل موقع مختص لكل يوم دولي وباللغات الرسمية الست للأمم المتحدة.

وتشمل قائمة الأيام الأكثر شعبية على الموقع العربي للأمم المتحدة، اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني؛ 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، واليوم العالمي للمرأة؛ 8 مارس (آذار)، واليوم العالمي للغة العربية؛ 18 ديسمبر. ويلفت النظر الاحتفال بخمسة "أيام دولية" في 21 مارس، وهي اليوم العالمي للقضاء على التمييز العنصري، ويوم الأم، واليوم العالمي للأرصاد الجوية، وعيد الأسرة، واليوم العالمي للشعر، في حين يشهد شهر يونيو العدد الأكبر من الاحتفالات والمناسبات الدولية، ومنها: بداية أسبوع الوقاية من الإشعاع، واليوم العالمي للأطفال الأبرياء ضحايا الاعتداء، وأسبوع البريد الإلكتروني، ويوم الأب، وغيرها.

*نقلاً عن "إندبندنت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.