.
.
.
.

التجربة الدنماركية

حازم منير

نشر في: آخر تحديث:

لكل بلد فى العالم تجربته الذاتية النابعة من تراثه وثقافته، المتوافقة مع تجربته وشخصيته، ومعدلات النجاح لتجارب دول العالم كل على حدة ترتبط بهذه المعايير أولاً، ثم تتماشى مع دراسة تجارب العالم من جوانبها السلبية والإيجابية على حد سواء.

التجربة الصينية مثلاً انطلقت من الحفاظ على الحكم والحزب الشيوعى، بكل مقوماته التنظيمية والإدارية، لتنفيذ برنامج اقتصادى حر وفقاً لرؤية رأسمالية أصيلة، وهى نموذج خاص جداً لم نشهد مثيلاً له فى العالم ولم يحدث من قبل، ولا أعتقد أنه سيتكرر كونه تجربة ذاتية جداً لوطن له مقوماته وخصائصه وتراثه.

التجربة الأمريكية أيضاً تجربة متفردة بين أمم العالم، هى تجربة قائمة على واقع تاريخى فرض نفسه على جملة من الدول المستقلة فى مواجهة استعمار بريطانى، لم تجد أمامها سوى الاتحاد وفقاً لرؤية ومفاهيم تحقق مصالح كل دولة منها على حدة، وظلت التركيبة السياسية للدولة تتطور وفقاً للواقع ولتلبية متطلبات التجربة، وتعددت وتنوعت وسائل التمثيل السياسى، وتحددت أدوار للأحزاب فى تسمية مرشحيها، وتمت صياغة نظام للانتخابات الرئاسية له خصوصية فريدة، وهى تجربة فريدة يندر أن تجدها فى أغلب بلدان العالم الديمقراطية التى استندت إلى التعددية فى التعبير الديمقراطى الحر.

وإذا تجولنا بين بلدان العالم المختلفة، فسنجد فى كل دولة ترتيبات تناسب تكوينها وتلبى احتياجاتها ومتطلباتها، وإلى جانب التجربة أو التركيبة الذاتية لكل دولة يمكنك أن تجد اطلاعاً على تجارب الآخرين، ومحاكاة لدرجة معقولة محدودة دون إفراط، حتى لا تتصادم تلك المكونات القادمة من الخارج مع التركيبات الصاعدة من عمق وتاريخ الداخل.

لذلك أستغرب بعض الأفكار التى تقوم وبالأساس على تقليد تجارب الآخرين، وتعتبر أن الاطلاع على تجارب الغير يستهدف البحث عن أنجحها، لنقله إلى واقعنا الوطنى، معتبرين أن هذه الخطوة تمثل نجاحاً، وهى فى الحقيقة تعبير عن فشل فى تحديد طبيعة المشكلة الوطنية، وبالتالى الفشل فى تحديد وسائل مواجهة المشكلة والتغلب عليها.

المسألة لا تقف عند حدود السياسة، بالعكس هو منهج التزم به الأسبقون، وتجربة محمد على باشا فى إرسال البعثات التعليمية، كانت نموذجاً لما يجب أن تكون عليه الأمور، لم يكن الهدف أبداً نقل الواقع الغربى إلى بلادنا، أو تحقيق النهضة عن طريق النقل، وإنما كان الهدف الأساسى معرفة الأسباب التى أدت إلى النهضة فى هذه البلدان للأخذ بها، وتحقيق التطوير المنشود من خلال تطبيق رؤى وأفكار خاصة بنا.

لكل تجربة واقعها الخاص بها، والنجاح يتحقق بمعرفة حقيقة المشكلة وكيفية مواجهتها، وليس بنقل تجربة ناجحة من هذا البلد أو ذاك، وغير ذلك نحن أمام لحظة ربما يتصور البعض أنه حقق من خلالها النجاح، ولكن الحقيقة أن نقل التجارب لا يصمد على المدى البعيد، وإنما يتراجع وينهار مع أول تحدٍ جاد وحقيقى يواجهه.

خذ مثلاً فكرة الحزبين الكبيرين فى الولايات المتحدة الأمريكية، المتنافسين على الحكم، واللذين يتبادلان حكم البلاد على فترات ثابتة ربما تدوم لحزب من الحزبين لفترة أطول قليلاً، لكنها فى النهاية لا بد أن تنتقل للحزب الآخر، وهو ما يعتبره البعض تداولاً للسلطة، والحقيقة أنه تداول للسلطة بين الحزبين الكبيرين، فى نظام لا يسمح لطرف ثالث بالبروز، بقدر ما يحقق لهذا البلد مصلحته الأساسية.

لذلك يبدو الحديث عن نقل التجربة فى احتياج لنقاش عميق وطويل، فالتعددية والتنوع يختلف نظامه من بلد إلى آخر، وما يجرى فى فرنسا مثلاً مختلف عما يحدث فى الولايات المتحدة، وقدرة التنوع بين أكثر من حزبين وضحت جلية فى بريطانيا، حين ضعف الحزبان الكبيران، وكان التحالف السياسى مع أحزاب أخرى الفرصة السانحة لبروز قوى سياسية جديدة فى البلاد.

حقيقة الأمر أننا نعيش وسط ظروف استثنائية بالغة الغرابة، ما بين صراعات مسلحة تحيط بنا من كل جانب، وإقليم مهدد بالانفجار فى كل لحظة بعد تصدع جدار ومقومات الأمن القومى الحامية له، وتقاطعات وتداخلات مصالح دول كبرى وأخرى إقليمية، تطمع كل منها فى الاستئثار بجزء من الكعكة الغنية المسماة بالمنطقة العربية، وجماعات وقوى متطرفة إرهابية تعبث بالأوضاع الداخلية لدول الإقليم طمعاً فى الوثوب على الحكم استناداً للقوى المتصارعة دولياً، والباحثة عن إعادة رسم وصياغة الجغرافيا السياسية.

الحاصل أننا نعيش فعلاً وسط كل هذه الأجواء، بما تمثله من خطر داهم على أمننا القومى، ومعوقات جادة وصعبة فى طريق التنمية المطلوبة، وتهديدات ومخاطر تمنع الاستثمار العالمى من الإقبال على النشاط الاقتصادى بالمنطقة، وهى كلها وغيرها تمثل مخاطر على الاستقرار السياسى المطلوب.

والشاهد أننا بحاجة مُلحة لمزيد من الحوارات، رغم كل ما نعيش فى كنفه من مخاطر، حوار يمد شرايين الدولة بالمزيد من الدماء الجديدة، ويعيد رسم المشهد السياسى للبلاد، من أجل استكمال مسيرة النجاح الاقتصادى والاجتماعى التى تحققت، وتأثرت مؤخراً بفعل وباء كورونا، وهى حوارات مطلوبة لرسم خريطة تتوافق مع واقعنا، ويتفق عليها الأطراف المعنية، فى إطار الدستور والقوانين الوطنية.

اللافت أن تجارب العالم الديمقراطية نبعت جميعها من الواقع المحلى لكل دولة، فى ضوء احتياجاته وثقافته وقدرة أدواته على التعبير الصحيح عن هذه الأفكار والمفاهيم، وهو ما نحتاج إليه بشدة، أن تكون رؤيتنا نابعة من واقعنا، حتى يتحقق لها النجاح الأكيد، وتصبح سياجاً حامياً من التهديدات والمخاطر المحيطة.

فى فيلم «التجربة الدنماركية» أكد لنا المُبدع يوسف معاطى، أن نجاح تجارب الآخرين فى بلادهم، لا يعنى بالضرورة أنها قابلة للنجاح فى بلاد أخرى، فلكل وطن ثقافته ومفاهيمه وقيمه وهويته.

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.