.
.
.
.

سردية تزوير الانتخابات ومصير الشعبوية في أميركا

عادل بن حمزة

نشر في: آخر تحديث:

تقول ناديا أوربيناتي Nadia Urbinati في كتابها الهام "أنا الشعب كيف حوّلت الشعبوية مسار الديموقراطية" تحولت الشعبوية حسب البعض، مجرد عَرضٍ لإعياءٍ بسبب "مؤسسة الحكم" والأحزاب الراسخة، بل كذلك بوصفها دعوة مشروعة للسلطة من الناس العاديين الذين أخضعوا لسنواتٍ للدخل المتدني والنفوذ السياسي. كما أنهم يرون فيها فرصة لاستعادة شباب الديموقراطية"، هذا التحليل يتطابق مع ما قاله ترامب في خطاب التنصيب في كانون الثاني (يناير) 2017، إذ أكد أنه "لزمن طويل جدا، قطفت مجموعة صغيرة في عاصمة أمتنا ثمار الحكم في حين تحمل الشعب الثمن" مضيفا أن واشنطن ازدهرت لكنّ الشعب لم يشاركها ثروتها، ازدهر السياسيون لكنّ الوظائف انعدمت والمصانع أغلقت، لقد حمت مؤسسة الحكم نفسها لكنها لم تحم المواطنين ولا بلادنا،" متحدثا بلغة حاسمة للأميركيين: "لم تكن انتصاراتهم انتصاراتكم، ولا نجاحاتهم نجاحاتكم. وبينما كانوا يحتفلون في عاصمة أمتنا، لم تكن العائلات المكافحة في طول بلادنا وعرضها تجد إلا القليل لتحتفل به".

لم يكن ترامب وهو يقول ذلك، يتحدث بوصفه رئيسا جمهورياً، بل كشعبوي حقيقي يسعى لإعادة النظر في التجربة الحزبية الأميركية ككل ولعب دور الزعيم المنقذ والمخلص بالاستثمار في إحباط الناس وسخطهم على النخبة السائدة.

يُظهر الانقسام الذي عرفته الانتخابات الأخيرة، حجم المخاطر التي تحيط بالنظام الديموقراطي الأميركي حتى مع خسارة ترامب، فحجم الأصوات التي حصل عليها توضح في كثير من خلفياتها، أنها تمثل أرضية خصبة للشعبوية وقد لا تمثل رصيدا ثابتا حتى بالنسبة للحزب الجمهوري في المستقبل، فترامب، وكعادة الشعبويين، لا يفضل بنية منظمة وفق قواعد واضحة ومؤسسات نشيطة، بل يرغب في قيام حركة سياسية واجتماعية هُلامية ترتبط فقط بالزعيم، وهو ما يفرض اليوم تحدياً حقيقياً على الجمهوريين، فإما أن الحزب سيستطيع إحتواء هذا التحول، وإما أنه سيكون مهدداً أكثر من أي وقت مضى في وحدته ومعه نظام الثنائية الحزبية في أميركا، خاصة أن ترامب يراهن على سردية تزوير الانتخابات لتكون منطلق المظلومية التي سيبني عليها مشروعه السياسي للعام 2024، فترامب يبدو مصرا على لعب دور سياسي في المستقبل.

هذا القلق على الديموقراطية تجسده العبارة التي افتتح بها جو بايدن الرئيس الأميركي الـ 46 خطاب النصر في ديلاوير عندما قال :"نقف في مفترق طرق"، وقبله كانت نائبته كمالا هاريس قد أكدت على أن الديموقراطية الأميركية ليست محصنة وأنها بحاجة إلى اليقظة والحماية المستمرين، إذ أن روح أميركا كانت على المحك، فقد طوت البلاد فصلاً من فصول انتخابات رئاسية استثنائية غير مسبوقة، لم تقتصر فقط على القيام بوظيفة تحديد ساكن البيت الأبيض الجديد، بل لإرجاع أميركا من حافة الهاوية، إذ مثلت سنوات دونالد ترامب تحولاً وتغييراً جذرياً في أسلوب الحكم.

شكل ترامب براديغما مثالية للشعبوية، فالرجل قادم من خارج المؤسسة الحزبية ومن خارج مؤسسة الحكم أو "الاستبلشمنت"، كما أن علاقته بالإعلام لم تكن تتعدى تلفزيون الواقع ومسابقات ملكات الجمال والمصارعة الحرة، وكغيره من الشعبويين استهدف بلغة رجل الشارع العادي ثلاثي الأحزاب، "الاستبلشمنت" والإعلام، كما أنه استثمر بشكل بارع في كثير من ترهلات النخبة الأوليغارشية وانقسامات الحزب الديموقراطي، دون أن يُفلِتَ انعكاسات الأزمة المالية لسنة 2008 التي كان لها تأثير بالغ على طيف واسع من الأميركيين وخاصة الطبقة الوسطى، فإذا كانت أزمة الخميس الأسود سنة 1929 قد حملت النازية والفاشية إلى الحكم في ألمانيا وإيطاليا، فإن أزمة 2008 ساهمت بشكل كبير في حمل ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية بشعارات شعبوية تحولت مع الوقت إلى أسلوب في الحكم، لذلك فإن المخاوف التي برزت خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة تتمثل في تمكن الشعبوية من مفاصل الدولة والمجتمع الأميركيين، فإذا كانت هزيمة ترامب متوقعة، فإن نتائج الانتخابات توضح أن الترامبية لم تنهزم، إذ إن درجة الانقسام التي أظهرتها النتائج، توضح أن تحولات عميقة وقعت في عمق المجتمع الأميركي هي بحاجة إلى قراءة عميقة أيضا لهذا الواقع بحكم احتمالات انعكاسها خارج الولايات المتحدة. لذلك شكلت خسارة ترامب مصدر بهجة وسعادة لدى كثيرين حول العالم، فالخوف كبير في أن تتحول الولايات المتحدة الأميركية بكل ما تملك من قوة، إلى راع رسمي للأنظمة الشعبوية حول العالم وما يشمله ذلك من خطر على الديموقراطية الدستورية.

لكن في المقابل يجب الإقرار، بأن ترامب مثل حالة فريدة في درجة الوضوح والإلتزم بتنفيذ الوعود الإنتخابية، فقد إلتزم ترامب في حملته الإنتخابية سنة 2016 بمراجعة قانون التأمين الصحي الذي وضعه سلفه باراك أوباما، والتزم بمنع مواطني بعض الدول من دخول الولايات المتحدة الأميركية، كما إلتزم بتنفيذ القانون الذي أقره الكونغرس سنة 1995 والقاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل مع نقل السفارة الأميركية إليها، والتزم ببناء جدار على طول الحدود مع دولة المكسيك وعلى حساب هذه الأخيرة وذلك لوضع حد للهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات، كما التزم بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، وبفرض 45 في المائة من الضرائب على البضائع الصينية لحماية الصناعة الأميركية.

في كل مرة كان ترامب يطلق واحدة من هذه الوعود، كان خصومه يفرجون عن إبتسامات ساخرة، وهي تقول: "سوف نرى".. لكن بعد سنة على إنتخابه، أظهر ترامب أنه تاجر جيد يبيع سلعا فاسدة، و أظهر أيضا أنه سياسي "مثالي" يفي بإلتزاماته أمام ناخبيه، وهذا ما يحتاجه المواطن العادي في كل بلد.

الأكيد أن ترامب خسر الانتخابات، لكن الترامبية لم تخسر، فهي كحركة سياسية يبدو أنها في سنواتها الأولى، وأن أي اخفاق لإدارة بايدن في معالجة الأوضاع التي استثمرها ترامب منذ 2016، فإن الشعبوية ستمد أرجلها أكثر في المجتمع الأميركي معززة مشروعيتها بسردية تزوير الانتخابات التي يدرك ترامب بغريزته، أنها ستحافظ له على أنصاره في السنوات القادمة.

*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.