.
.
.
.

سلطان العود وقيثارة الألحان

د. محمد بدوي مصطفى

نشر في: آخر تحديث:

جميل بشير

من مؤسسي مدرسة العود العراقيّة الحديثة

إن عالم العود عالم مهيب يا سادتي وبحر لا شطّ له. لقد وصلت لهذه القناعة بعد أن أيقنت تماما أنني لا ولن أتقدم في تقنيات العزف على هذه الآلة إلا بواسطة الدراسة والبحث وأخذ العلم على يد معلم. اجتهدت في السفر إلى سوريا والمغرب ومصر في منتصف تسعينيات القرن المنصرم وتتلمذت لفترة وجيزة على أيدي بعض الأساتيذ، أذكر منهم عدنان أيلوش بمدينة دمشق التي تربطني بها علاقة حبّ ومودة حميمة. سافرت بعدها إلى مصر لتسجيل بعض أعمالي وعاشرت الأصدقاء والأستاذة ببيت العود وبكلية الموسيقى من بينهم الأستاذ عاطف عبد الحميد. وظللت هكذا أبحث عن ضالتي المنشودة لا ألوي على شيء إلا وأن أحفل بها. تعرّفت ذات يوم بورشة للعود بألمانيا على صديق فسلطيني نصحني بالتواصل مع الأستاذ رائد خوشابا، تلميذ الأستاذ منير بشير وكما يقول البعض، وريثه الشرعيّ الأوحد في آلة العود. على كل بدأت مشوارا طويلا معه دام عدّة سنوات درست على يديّه تقنيات المدرسة العراقية ومنهجها المعتمد "فتعلمت الكثير وغاب عني الكثير لكن تلك قصة أخرى". تعرفت من خلاله على الموروث العربيّ - عملا وتطبيقا لا سيما في علم المقامات وما جاورها من قوالب الألحان: سماعيات، لونغات، الطقاطيق، الموشحات، الدواليب، الخ. ذات يوم كلمنّي عن الأستاذ العازف والمحن جميل بشير - أخو منير بشير وأعطاني مقطوعة له لأدرسها، بعنوان "شروق" من مقام رست الدو. ومن هنا بدأت رحلة البحث عن هذا العملاق، شيخ العوادين العرب.

لقد أسس جميل بشير من خلال أعماله وأعمال أخيه منير بشير وآخرين من الأفذاذ عمالقة العود بالعراق، صرحا شامخا، يُسمّى ب"المدرسة العراقية للعود". أخرجت هذه المدرسة موسيقى العود من سياقها الطربي التقليديّ المألوف إلى ذلك الوقت إلى الإطار العصريّ الحرفيّ الاحترافي "الصوليستي". ربما لا يعلم الكثيرون عن سمات هذه المدرسة العملاقة، ولا يدركون طابعها العام وأسلوبها في العزف والتلحين والتمارين، الخ. مقارنة مثلا بالمدرسة المصريّة أو الشاميّة. لقد ابتعدت المدرسة العراقية منذ بداياتها عن طابع التطريب والشجو وانتقلت بالعود إلى آفاق التجديد والتعبير والوصفيّة والعصرنة لتواكب الدراسة الأكاديميّة التي نشأت عنها ومنها. والحديث يطول في هذا الأمر وسوف أعود إليه في سانحة أخرى، لكنني أحببت أن أقدّم للمقال بالتعريف عن مزايا المدرسة العراقية ومنها أعرج إلى أحد عمالقتها جميل بشير.

الأستاذ جميل بشير هو عازف وملحن عراقي، رأى مولده النور بحجر عائلة بشير القس عزيز في الموصل 1921 وتعلم العود منذ نعومة أظافره، إذ تلقى تعليمه على يديّ والده الذي كان صانعا وعازفا للآلة على حد سواء. وعندما أُسس المعهد العالي للموسيقى في عام ١٩٣٦ انضم جميل لأول دفعة من الدارسين للعود وتلقّى تعليمه الأكاديميّ بها على يد الأستاذ العظيم الشريف محي الدين حيدر، وفي نفس الوقت لم يبطره حبّه لآلة العود وشغفه بالموسيقى أن يلتزم في صفوف دارسيّ آلة الكمان. فتتلمذ أيضا على يد الموسيقار سانودو آلبو ويشهد لجميل بشير براعته وتفوقه على كلتا الآلتين. نال درجة الإجازة في الموسيقى عام ١٩٤٣ وتخرج في قسم العود وتبعها تخرجّه بعد ثلاث سنوات، عام ١٩٤٦ من قسم الكمان. حصل على درجة الامتياز، فتم اختياره بعد تخرجه من قسم العود كأستاذ للعود ومساعد تدريس لآلة الكمان. تدرج مع مرور الأيام حتى صار رئيسا لقسم الموسيقى والانشاد. سلك الأستاذ جميل بشير طريقه في دراسة التراث العراقيّ، مقاماته، أنغامه، إيقاعاته إضافة للموروث العربي الجبّار الذي كان موسوعة فيه. اتجه لدراسة الموسيقى الشرقيّة العربيّة، التركيّة والكرديّة بشكل أكاديميّ وتطورت ملكاته الجبّارة في العزف على الآلتين وحتى في مجال التلحين. والجدير بالذكر بأن أبرز طلبته كانوا أساتذة للموسيقى العراقية جاؤوا من بعده مثل أخاه منير بشير وغيره من عمالقة التراث العربيّ العراقيّ.

كان إنتاج جميل بشير دسما وغزيرا فضلا عن تباين معالمه وسماته. كرّس كأستاذ وباحث بكلية الموسيقى لتدوين المقامات العراقية وطرق عزفها على الكمان والعود ونجده صاحب أغلب مطربي العراق العظام على آلة الكمان وقام بتسجيل العديد من المقطوعات الكلاسيكية ومن مؤلفاته التي نفذها بعوده الجوابيّ المتميز. كذلك سجل الكثير من الأغاني العراقية والأغاني الكردية. وعرف عنه أنه كان يؤلف ويغني أيضا باللغة الكردية وكان مؤديا بارعا ولكنه فضل الاستمرار في العزف متخليا عن الغناء. له بعض المؤلفات الموسيقية منها كتاب من جزئين بعنوان "العود وطريقة تدريسه " 1961.

قام بتلحين حفنة من الأناشيد ومن ثمّة اشتغل بالإذاعة والتلفزيون رئيسا للفرقة الموسيقية ولقسمها به. قدم في خلال حراكه الفنيّ العديد من الحفلات والتسجيلات في كل أنحاء الوطن العربيّ وحتى ببعض الدول الغربيّة. أثرى الأستاذ جميل بشير موسيقانا الشرقية ببحثه وتنفيذه وألحانه بصورة تعجز الأقلام عن وصفها وقد أثّرت ريشته وقوسه في العديد من الموسيقيين الذين عاصروه أو جاؤوا بعده فكان بذلك نقطة تحول في حيواتهم الفنيّة لا سيما في مجال آلة العود.

وافته المنيّة في سنة ١٩٧٧ بمدينة لندن وعمّ الضباب بها يومئذ وتكاثف لرحيل شعلة من شعلات البناء الموسيقي الأكاديميّ في الوطن العربي على الإطلاق.

*نقلًا عن المدائن بوست دوت كوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.