.
.
.
.

ذوو الخبرات

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

الخبرة تُعرّف اختصارًا بالمعرفة والتشبع بالمهارة، وهي جارية في كل مجالات الحياة فبها تتفاوت مراتب الناس في أعمالهم، وبها تُعلق النجاحات، وعليها تُؤمل الشعوب بناء الأوطان، ومن سوحها يصدر الناس عن رضى واقتناع في حلول مشكلاتهم الخاصة والعامة، ويكفي في ذلك أن الناس أطلقوا المثل من قول العليم الخبير: {ولا ينبئك مثل خبير} أي: لا ينبئك ببطلان ما هم عليه بالأدلة والبراهين القرآنية والعقلية مثل الخبير سبحانه. فأُطلقت مثلًا، لما للخبرة من مكانة.
وما زال الناس منذ الأزل يستعينون بخبرائهم وكبرائهم في عويص حاجاتهم وشؤونهم، وهي البركة التي أشار إليها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: "البركة في أكابركم" فلا يعقل أن يكون المعنى في ذوات أجسادهم أو طول سنينهم، إنما هي ما تراكم لديهم من معالجة الحياة ومشاكلها، وليس الأمر مطلقًا بل مقيدًا بما يحسنه كل خبير، فخبراء الصناعة لا يغنون عن خبراء التجارة، وهؤلاء لا يغنون عن خبراء العمران وقس على ذلك سائر الخبرات.
وفي زمننا هذا حين توسعت العقول في إنجازاتها ومبتكراتها أصبح لا غنى لنا لحظة عن ذوي الخبرات والمهارات المكتسبة والمتراكمة، فوجود الخبير في العمل أو في التجارة أو في المصنع أو في الجامعة وفي كل الشؤون حتى الفنية والثقافية ضرورة ملحة، وحاجتنا إلى ذوي الخبرة بالأعراف والفنون والثقافات أمر لا بد منه لكي لا يصير كل أحد منا ينظر لنفسه من زاوية "أنا" ويدرك أن هناك أشخاصًا لابد له من تقديمهم والاستعانة بهم، وقد كان الأولون يتضاءل أحدهم في مجلسه ومقاله احترامًا ومهابة لمن هو أقدم منه، كما كانوا يتدافعون الفتيا والرأي، وقد أحسن من قال:
إِذ قلتَ شِعراً فاحترز منه إِنّهُ
خبيرٌ إذا لم ينقُدِ الشعرَ ناقدُه
فما قلتُ شعراً قطُّ إلّا وهبتُهُ
وإِنّي لِجنِّيُّ القريضِ وَماردُه
إن من ميزة وجود الخبراء السكينة والهدوء الذي يعم مكان العمل، بل والنجاح والشهرة، وإنا نرى حرص الشعوب في التمسك بما يرتبط بعتيق منجزاتها من صناعات وشركات وتجارة، وأصبح للعلامة التجارية الأطول عمرًا أثرًا واضحًا وكبيرًا في ترويج بضاعاتها وتحسين عرضها وطلبها، وها نحن في الطريق الصحيح لمواكبة العصر بتقنياته الحديثة، غير أنه من الواجب التنبيه أننا لا نفتقد الخبرات في كثير من المجالات؛ كالصناعة، والتجارة، والثقافة، والرياضة، والصحافة، والتعليم، وغيرها والذي نحتاجه هو الالتفات إلى من لم يزل مغيبًا عن مجاله تاركًا الشباب يهدرون قدراتهم وطاقاتهم فيما كان من الممكن اختصاره وتقليل مجهوده.
إن الفرص التي يمكن أن تتاح للشباب في كل المجالات ينبغي لها أن تعير الأمر اهتمامًا خاصًا بما يحافظ على استدامة الخبرات في مرافقنا الإدارية والعملية، وهو ما يضمن تشبع أولئك الشباب بالخبرات الممكنة التي يدركونها في أهلها، وكم هي السعادة التي تغمرنا حين نرى الإعلام يهتم بالشخصيات والخبرات المميزة، وتسليط الضوء عليها ليكون ذلك رافدًا للقطاع المختص فيه ذلك الشخص، وأيضًا يكون حافزًا لكل المجتهدين والمثابرين والمخلصين للوطن وخلق الشعور في نفوسهم بأن القادم أجمل، وليس مجرد تقاعد ومعاش ومكوث في المنزل، بل ليشعر ذلك المجتهد المكتسب للخبرات والمهارات، أن القادم يتطلب منه الجهد الأكثر والأكبر، والوقت الأوسع، لنقل خبراته وتعليم مهاراته للأجيال المقبلة، ولا يقتصر ذلك على مجال دون مجال، فكل شيء مهما استسهله الناس فإنه بالخبرة والمهارة يكون أيسر وأسهل، ولا يكون تطور الشعوب ونهوض الأمم إلا بالتكامل التراكمي التوارثي، فالأجيال تبني على ما أسسه الآباء والأجداد وتنطلق من حيث انتهوا. هذا، والله من وراء القصد.

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.