.
.
.
.

زلزال متوقّع بين أردوغان و"الإخوان المسلمين"

رستم محمود

نشر في: آخر تحديث:

طوال الأيام الثلاثة الماضية، تقاطع الكثير من المعلومات التي نقلتها وسائل إعلام تركية وأجنبية، مع ما يوازيها من توتر ومواجهات بين مؤيدي جماعة "الإخوان المسلمين"، بمختلف تنظيماتهم الإقليمية، وبين مؤيدي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث أكدت التقاطعات وجود خلاف سياسي واضح بين الطرفين، قد يؤدي إلى صِدام وقطيعة في المستقبل القريب.

المعلومات الأولية قالت إن تركيا اعتقلت أكثر من عشرين عنصراً من أعضاء جماعة "الإخوان المسلمين" المصرية على أراضيها، بناء على معلومات حصلت عليها الاستخبارات التركية التي اخترقت شبكات التواصل "الإخوانية"، واكتشفت بأن أعضاء هذه المجموعة كانوا يُبنون علاقات غير معلنة مع إيران، بما في ذلك تدريب عناصر موالية على تقنيات التجسس والمراقبة الحديثة، كـ"التهكير" والسيطرة على المواقع الإلكترونية وجمع المعلومات من شبكات التواصل الاجتماعية، الأمر الذي عدته السلطات التركية مساً بأمنها القومي.

تكللت تلك المعلومات بما نُقل عن أعضاء من "القيادات الأوروبية" لجماعة "الإخوان" المصرية، التي قالت إن السلطات التركية رفضت الاستمرار بمنح الجنسية التركية لأعضاء الجماعة، بما في ذلك الطلبات الخمسين التي قُدمت خلال الفترة الأخيرة. تلك المعلومات تقاطعت مع تصريحات مسؤولين أمنيين أوروبيين، أكدوا فيها أن الأجهزة الأمنية الأوروبية تتابع مراقبة الجهات التي تستغل الجهد الإغاثي، لتخلق مناطق وبيئات حامية لأعضاء من جماعة "الإخوان المسلمين" من مختلف دول المنطقة، لكنهم يعتمدون على الحاصلين على الجنسية التركية، لما قد يحصلون عليه من تسهيلات في الدول الأوروبية. الأمر الذي يعني بأن السلطات التركية صارت تعتقد بأن سلوكيات جماعة "الإخوان المسلمين" يمكن لها أن تسيء لعلاقاتها مع المنظومة الأوروبية، المتوترة أصلاً.

وكالة الأناضول التركية، التي تُعتبر تغطيتها الإخبارية مؤشراً على قراءة ومواقف أردوغان و"حزب العدالة والتنمية"، نشرت تقريراً نقدياً حاداً واستثنائياً تجاه الجماعة الإسلامية، نقلته وترجمته مختلف المواقع والمؤسسات الإعلامية القريبة من سلطة "حزب العدالة والتنمية"، الأمر الذي عده المراقبون مؤشراً على تهيئة الأرضية الشعبية التركية لقرارات خاصة وحاسمة قد يتخذها أردوغان تجاه الجماعة في الأيام المقبلة، خصوصاً القياديين المقيمين على الأراضي التركية منهم.

تقرير وكالة الأناضول عبّر عن الثقل الذي تشعر به تركيا راهناً تجاه الجماعة، مذكراً بأن الجماعة تعاني عطباً ذاتياً، لا يمكن إعادة خلقها من جديد بأي شكل: "لم تستطع الجماعة أن تحسم ملفاً واحداً ضمن أزماتها مع النظام، وأبقت كل معاركها "صفرية"، مرددة أن النظام هو الذي يرفض الجماعة تماماً، ولم ولن يمد يداً للحل، رغم أنها كانت تؤمن بالسقف المنخفض في التعامل مع الأنظمة، لا سيما في عهد حسني مبارك!".

مختلف التغيرات المنظورة في المنطقة تشير إلى اهتزاز أواصر العلاقة التي كانت بين أردوغان وجماعة "الإخوان المسلمين"، بالذات منهم الجناح المصري "الفرع القائد"، وأن صداماً مباشراً بينهما سيحدث عما قريب. فأردوغان يجهز الأرضية للتعامل مع إدارة أميركية لن تكون متسامحة معه في أي من الملفات الشائكة التي يسلكها، خصوصاً من حيث دعمه التنظيمات المتطرفة في مختلف بلدان المنطقة، التي تشكل جماعة "الإخوان المسلمين" واحدة من أكبر وأهم التنظيمات المشكوك بأمرها وصلتها مع تلك الجماعات. كذلك فإن علاقة أردوغان المستحدثة مع إسرائيل، من خلال المفاوضات الأولية التي يقودها رئيس جهازه الاستخباري هكان فيدان، ستفرض عليه تحولاً في خيارات الاستراتيجية "الشعبوية"، من خلال مثل هذه العلاقة. الأمر الأخير يتعلق بالتحولات التي قد تطرأ على العلاقات الثنائية العربية، وتالياً إخراج قطر نسبياً من علاقتها مع الجماعات الإسلامية، وبذلك يغدو "الإخوان المسلمون" عبئاً كاملاً على تركيا.

بدورها، ترى جماعة "الإخوان المسلمين" انحساراً في الدور الكلي لأردوغان، وكيف أن مستقبله السياسي صار محل سؤال كبير. فكل الخيارات السياسية والأفعال الأمنية والخيارات العسكرية في كامل المنطقة طوال السنوات السبع الماضية، لم تمكن أردوغان من إيصال أي تيار إسلامي إلى سُدة الحُكم، بما في ذلك المناطق التي كان الإسلاميون يسيطرون فيها نسبياً على الحُكم، مثل السودان وليبيا وبعض مناطق سوريا، حيث كانت مصالح أردوغان الإقليمية، خصوصاً مع روسيا، في المحصلة متباينة مع مصالح جماعة "الإخوان".

الكاتب دوريان جونس، كتب مقالة مطولة في موقع "صوت أميركا"، ركز فيها على مستويات التوتر المتوقعة بين أردوغان وجماعة "الإخوان" خلال الفترة المنظورة: "لا أعتقد أن أردوغان سوف يكسر علاقته مع "الإخوان المسلمين"، على الأقل في المستقبل القريب، لأن هذا الدعم له تأثير مباشر على سياسة تركيا في ليبيا وسوريا وقطر، لكن التاريخ والبراغماتية سيكونان حاسمين في أي شكل لتلك العلاقة، وفي البراغماتية ليس من أحد مثل أردوغان".

مجلة "فورين بوليسي" الأميركية نقلت في تقرير موسع كتبه مدير برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن لورانزو فيدينو حول الآثار المستقبلية التي قد يخلقها هذا الصدام المتوقع بين الطرفين، معتبرة أنه بمثابة تخلي المركز عن الفروع. فأردوغان طوال السنوات الماضية أعتمد على "الإخوان المسلمين" لتشكيل شبكات من المؤسسات والأنشطة في كل أنحاء العالم، معتمدة على الدعم المالي واللوجستي التركي، والصدام السياسي مع الجماعة سيعني تفكك تلك الشبكات بالضرورة.

الصحيفة تحدثت عن التناقض الذي يعيشه أردوغان راهناً في علاقته مع الجماعة: "مع ازدهار الاقتصاد التركي، استثمر أردوغان في الدبلوماسية الدولية والمساعدات الإنسانية للاستفادة من نفوذه، في كل من البلدان ذات الأغلبية المسلمة والدول الغربية التي يوجد فيها أقليات مسلمة كبيرة، وفي سعيه ليصبح زعيماً بلا منازع للعالم الإسلامي، يستفيد أردوغان من المنظمات الدينية التركية الحكومية الخاضعة لسيطرة حزبه، والجماعات الإسلامية التركية مثل ميلي جوروس، والمنظمات ذات المصالح المشتركة والتطلعات السياسية مثل جماعة الإخوان المسلمين وفروعها في الغرب". وهو أمر سوف يُبتر تماماً، في حال أنهى أردوغان علاقته السياسية الودية الراهنة مع الجماعة، بالذات فرعها الأساسي المتمثل بـ"الإخوان" المصريين.

نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.