.
.
.
.

حديث المصارحة... والمصالحة

محمد صلاح

نشر في: آخر تحديث:

في العلوم السياسية كل أزمة قابلة للحل بالتفاوض، وكل تفاوض هدفه الأساسي تجاوز التناقضات والوصول الى قواسم مشتركة بين أطراف أي أزمة، ولا يمكن أن تحل معضلة سياسية ما لم يتنازل أطراف المشكلة عن بعض شروطهم او مطالبهم او مواقفهم.

والثابت أن ما عرف بالأزمة الخليجية كان نتيجة لسياسات مارستها الدوحة على مدى سنوات سعى خلالها أطراف عديدون الى حلها، لكن إصرار الدوحة على المضي في الطريق الذي اختارته لنفسها عمّق الخلاف وزاد من غضب الدول الأربع: السعودية والبحرين والإمارات ومصر، ما دفعها في حزيران (يونيو) 2017 الى الإعلان عن قطع العلاقات مع قطر، بعدما اتهمتها بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار في المنطقة. وعلى مدى نحو خمس سنوات لم تتوقف جهود الوسطاء لحل الأزمة من دون جدوى، إذ لم تغير الدوحة سياساتها، بل زادت منها في ما أصرت الدول الأربع دائماً على أن تنفذ قطر 13 شرطاً هي:

1- إعلان قطر رسمياً خفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران وإغلاق الملحقيات، ومغادرة العناصر التابعة والمرتبطة بـ"الحرس الثوري الإيراني" الأراضي القطرية، والاقتصار على التعاون التجاري بما لا يخل بالعقوبات المفروضة دولياً وأميركياً على إيران، وبما لا يخل بأمن مجلس التعاون لدول الخليج، وقطع أي تعاون عسكري أو استخباري مع إيران.

2- الإغلاق الفوري للقاعدة العسكرية التركية الجاري إنشاؤها في قطر، وقتها، ووقف أي تعاون عسكري مع تركيا داخل الأراضي القطرية.

3- إعلان قطر قطع علاقاتها بكل التنظيمات الإرهابية والطائفية والإيديولوجية، وعلى رأسها: "الإخوان المسلمون" - "داعش" - "القاعدة" - "فتح الشام" - "حزب الله"، وإدراجها ككيانات إرهابية وضمها إلى قوائم الإرهاب المعلن عنها من الدول الأربع، وإقرارها بتلك القوائم.

4- إيقاف كل أشكال التمويل القطري لأي أفراد أو كيانات أو منظمات إرهابية، وكذا المدرجين ضمن قوائم الإرهاب في الدول الأربع، وكذا القوائم الأميركية والدولية المعلن عنها.

5- قيام قطر بتسليم كل العناصر الإرهابية المطلوبة للدول الأربع، وكذا العناصر الإرهابية المدرجة في القوائم الأميركية والدولية المعلن عنها، والتحفظ عليها وعلى ممتلكاتها المنقولة وغير المنقولة لحين التسليم، وعدم إيواء أي عناصر أخرى مستقبلاً، والالتزام بتقديم أي معلومات مطلوبة عن العناصر، خصوصاً تحركاتها وإقامتها ومعلوماتها المالية وتسليم كل من أخرجتهم قطر بعد قطع العلاقات وإعادتهم إلى أوطانهم.

6- إغلاق قنوات "الجزيرة" والقنوات التابعة لها.

7- وقف التدخل في شؤون الدول الداخلية ومصالحها الخارجية، ومنع التجنيس لأي مواطن يحمل جنسية إحدى الدول الأربع، وإعادة كل من تم تجنيسه في السابق بما يخالف قوانين هذه الدول وأنظمتها وتسليم قائمة تتضمن كل من تم تجنيسه وتجنيده من هذه الدول الأربع، وقطع الاتصالات بالعناصر المعارضة للدول الأربع، وتسليم كل الملفات السابقة للتعاون بين قطر وتلك العناصر مضمنة بالأدلة.

8- التعويض عن الضحايا والخسائر كافة وما فات من كسب للدول الأربع، بسبب السياسة القطرية خلال السنوات السابقة، وسوف تحدد الآلية في الاتفاق الذي سيوقع مع قطر.

9- أن تلتزم قطر بأن تكون دولة منسجمة مع محيطها الخليجي والعربي، على الصعد كافة بما يضمن الأمن القومي الخليجي والعربي، وبتفعيل اتفاق الرياض لعام 2013 واتفاق الرياض التكميلي لعام 2014.

10- تسليم قطر كل قواعد البيانات الخاصة بالمعارضين الذين دعمتهم، وإيضاح كل أنواع الدعم الذي قدم لهم.

11- إغلاق كل وسائل الإعلام التي تدعمها قطر بشكل مباشر أو غير مباشر.

12- كل هذه الطلبات تتم الموافقة عليها خلال 10 أيام من تقديمها وإلا تعتبر لاغية.

13- سوف يتضمن الاتفاق أهدافاً واضحة وآلية واضحة، وأن يتم إعداد تقارير متابعة دورية مرة كل شهر للسنة الأولى ومرة كل ثلاثة أشهر للسنة الثانية ومرة كل سنة لمدة عشر سنوات.

بطبيعة الحال مرت الأيام العشرة وبعدها شهور عشرة وطال أمد الأزمة، ليس فقط لأن قطر لم تستجب، ولكن أيضاً لأن الدوحة مضت في السياسات والأفعال ذاتها التي كانت سبباً في غضب الدول الأربع، بل إنها استخدمت المقاطعة لتحريض الدول الأخرى في العالم ضد الدول الأربع، وكذلك لم توقف ابداً سعيها الى نشر الفتن وإحداث الوقيعة بالتصريح او التلميح بأن هذه الدولة او تلك تنوي أن تتصالح من دون أن توفي بالتزاماتها تجاه الدول الثلاث الأخرى، والغريب أن السلوك نفسه تمارسه الآن المنصات الإعلامية القطرية، وبالطبع معها المنصات "الإخوانية" بعد الاعلان اخيراً عن قرب التوصل الى اتفاق للمصالحة لحل الأزمة الخليجية، وهو ما فطنت اليه القيادة السعودية فأكد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان أن حلفاء المملكة على المسار نفسه الذي تسير فيه السعودية في شأن الأزمة الخليجية، مشدداً على أن "جميع الأطراف المعنيين سيكونون مشاركين في الحل النهائي".

عموماً تتطلب المصارحة الإشارة الى أن الأزمة تفجرت بسبب تهديدات تعرض لها الامن القومي العربي بفعل السياسات القطرية، وبالتالي فإن أي مصالحة يجب أن تضمن إزالة تلك التهديدات ووقفها والتعهد بعدم تكرارها، أما الشروط التي وضعتها الدول الأربع فلم يكن هدفها التدخل في الشأن القطري أو التحريض ضد الحكم هناك أو ضرب التماسك الاجتماعي أو السلم الأهلي بين القطريين او توجيه المنصات الإعلامية لهدم الثوابت والقيم واللحمة الوطنية، بل كان الهدف تحقيق المصالحة.

*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.