.
.
.
.

إيران.. وخطيئة واشنطن المميتة

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

هل واشنطن منقادة بدافع قسري يجعلها تعيد تكرار أخطاء الأمس من غير أدنى عبرة لحكايا الزمان أو أحاجي الإنسان؟

كثيرون يرون ذلك من أسف شديد، لا سيما أن واشنطن معروف عنها ازدواجيتها المؤلمة، وتكافؤ الأضداد في روحها، ولم يعد الأميركيون على بينة من أمرهم، أيسيرون وراء المثالية أو يميلون نحو الواقعية؟ هل يفضلون النموذج الجيفرسوني، أم يغلبون عليه الويلسني؟

لسنا في مقام التنظير الفكري لأيديولوجيات أميركا، بل نحن أمام ما يمكن أن نعتبره خطيئة أميركا المميتة التي تعاود الاقتراب منها مرة جديدة خلال إدارة الرئيس بايدن المقبلة عما قريب.

قصة إيران مع الولايات المتحدة الأميركية مثيرة وتصادمية منذ خمسينيات القرن المنصرم، على صعيد الزمن المعاصر على الأقل، وسنوات الرئيس ترامب الأربع الأخيرة حاول فيها قدر الممكن والمستطاع أن يصحح من الخطأ الكارثي لسلفه باراك أوباما، والذي أتاح لطهران فرص ذهبية لإكمال مشروعها النووي، وسخر لها قرابة المئة وخمسين مليار دولار، لتزخم وتدعم بها برامجها الما بعد نووية، من صاروخية، وسيبرانية، ومن تهديد لجيرانها، ومحاولة بسط سيطرتها على الإقليم برمته.

ما الذي يستدعي الحديث عن خطيئة واشنطن المميتة والمتوقعة عما قريب؟

لعل التصريحات التي أدلى بها "جاك سوليفان "، المرشح من قبل الرئيس بايدن لمنصب مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي لصحيفة وول ستريت جورنال هي الدافع الأول للعودة إلى هذا المربع المثير والخطير.

سوليفان وعن إمكانية العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة أي الإتفاق النووي مع إيران قال: "أعتقد أن ذلك ممكن، وقابل للتحقيق"، ووفقا له، سترسخ عودة الولايات المتحدة إلى قائمة المشاركين في الاتفاق النووي، ورفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة ترمب ضد طهران، الأساس لـ "مفاوضات لاحقة "حول مسائل أوسع".

يحتاج هذا الحديث إلى مراجعة عقلانية، ومن غير ثورة عاطفية، ذلك أنه لا يقيم وزنا لنوايا إيران التي لا تخفى عن أحد، وبخاصة أعين الاستخبارات الأميركية، وتصل بنا الدهشة حد التساؤل: "هل العالم أمام مكايدة سياسية من الديمقراطيين للجمهوريين؟ وإذا كان ذلك كذلك، هل ينبغي أن يتحمل الإقليم استحقاقات تلك الخطايا القاتلة والمميتة التي يتفكر بها السيد سوليفان في قلبه؟

ربما فات المسؤول الأمني الكبير القادم أن يراجع صور الأقمار الاصطناعية التي نشرتها عدة مواقع متخصصة في تعقب التغييرات الجارية على الأرض، الأيام القليلة الماضية، والتي أشارت إلى تغير ملحوظ في طبيعة الطرق المحيطة بمنشأة "نطنز" الإيرانية التي تعرضت لتفجير في يوليو الماضي.

القصة بدون تطويل ممل موصولة بتصريح رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، والذي أكد على أن المبنى المدمر سوف يعاد بناؤه في قلب الجبال، ولهذا تظهر للمرة الأولى مداخل نفق جديدة للبناء تحت سلسلة من التلال في سفوح الجبال جنوب منشأة نطنز.

هذه هي إيران الماضية في بناء مفاعلاتها، ومن غير أن يطرف لها جفن، وسواء أكان الحاكم في أميركا من الديمقراطيين أو الجمهوريين.

فات السيد سوليفان أن يطالع مقال المنظر الأهم للعولمة في أميركا، الكاتب في النيويورك تايمز، توماس فريدمان، عن الخطر الصاروخي الإيراني، ذاك الذي أضحى أشد خطورة الآن من أي وقت سابق، وقد بلغت إيران مرحلة إطلاق صواريخ باليستية حاملة اليوم أقمارا اصطناعية إلى الفضاء الخارجي، وغدا يصبح من اليسير أن تحمل بقنابل نووية.

لا تحتاج إيران إلى أسلحة نووية لتهدد جيرانها، وقد أيقنت أجهزة الإستخبارات الأميركية، ونظيرتها الأممية، أن صواريخ إيران التقليدية، وطائراتها المسيرة، هي من وقف وراء الاعتداء على منشآت أرامكو النفطية في المملكة العربية السعودية.

حكما لا يجيد السيد سوليفان فن التفاوض وفلسفة البازار كما يفعل الإيرانيون في الوقت الراهن، بمعنى أنهم يستبقون وصول إدارة بايدن بتصعيد غير مسبوق في المسار النووي، وذلك بعد قرار البرلمان الإيراني بزيادة تخصيب اليورانيوم إلى مستوى 20% وموافقة مجلس صيانة الدستور على القرار، الأمر الذي اعتبره وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بأنه يقرب إيران من حيازة القنبلة النووية.

لم يعد سرا أن الإيرانيين يسابقون الزمن لتغيير تركيبة تحالفاتهم السياسية وبما يصعب على واشنطن المواجهة العسكرية بنوع خاص، والدليل على صدقية ما نقول به، تلك الاتفاقيات التي أبرمت بين طهران وبكين لمدة ربع قرن تقريبا وبتسهيلات غير مسبوقة للصينيين، وصلت حد التنازل لهم عن جزر في الخليج العربي تكون موضع قدم عسكري متقدم للصين، وأخرى مع روسيا الاتحادية تجعل من قفزات الثعلب الروسي أمرا مزعجا للحضور الأميركي التاريخي في المنطقة.

يأمل المرء أن يكون الرئيس بايدن هو القائد الحقيقي لسفينة الديمقراطيين التي تمخر عباب الأزمة الإيرانية خلال السنوات الأربع المقبلة، وتظل تصريحاته حتى الساعة والرافضة لأي تهاون في التعامل مع النووي الإيراني أقوى تصريحات، وقد أطلقها خلال مقابلة مع شبكة "سي.إن إن "، وأكد فيها أنه لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وأن واشنطن لا يمكنها القيام بذلك بمفردها بل ضمن إطار جماعي أكبر".

الكارثة الحقيقية هي أن إيران تجيد فن تسويف الوقت، كما أنها تعرف كيف تلعب على المتناقضات، وإن كانت المراوغة لن تفيد، وساعتها سيدرك سوليفان أي خطيئة مميتة كاد أن يرتكبها أو يقود إدارة الرئيس الجديد في الطريق إليها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.