.
.
.
.

سيادة المغرب على الصحراء والاعتراف الأميركي

عادل بن حمزة

نشر في: آخر تحديث:

شهدت العلاقات المغربية - الأميركية تحولاً تاريخياً أول من أمس الخميس، وذلك بعد اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بسيادة المغرب على الصحراء. هذا التحول في الموقف الأميركي يمثل في الواقع حصيلة تطور تدريجي في رؤية النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، إذ إن واشنطن كانت منذ 2007 من أوائل الدول التي رحبت بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي والتي اعتبرها المنتظم الدولي جدية وذات صدقية لأنها وضعت حداً لحالة فراغ عرفها النزاع المفتعل منذ إعلان وقف إطلاق النار سنة 1991 ومنذ فشل مسلسل تحديد الهوية الذي كان من المفترض أن يعقب الانتهاء منه إجراء استفتاء. وقد مثل المقترح المغربي وقبوله على المستوى الدولي، تحولاً مهماً في الفهم الإجرائي لمفهوم تقرير المصير، لذلك يمكن اعتبار ما أعلنه البيت الأبيض بخصوص الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي، هو بمثابة نوع إنجاز تاريخي ونوع من الاستمرارية من قبل الإدارة الأميركية الحالية. الجديد في هذا المسار هو ارتباطه بموقف المغرب من إسرائيل ومن إمكانية تطبيع العلاقات بينهما، وهنا يمكن إبداء بعض الملاحظات لا يستقيم فهم التحولات الأخيرة من دونها، وهي:

أولاً: يعلم الجميع أن المغرب يتم ابتزازه ومحاولة استنزافه منذ سنوات بموضوع وحدته الترابية، هذا الابتزاز والاستنزاف جمعا "الأشقاء" والخصوم على السواء، لذلك فإن أي بلد في العالم يوجد في وضعية المغرب، سيسعى وهو يمضي في حقل ألغام، لتحقيق مصلحته الوطنية من دون الإخلال بالتزاماته التاريخية ومن دون أن يجعل من قضية عادلة مجرد مقايضة فجة يتم تقديمها في إطار "بوليميك" متجاوز لا يقدم ولا يؤخر.

ثانياً: اعتراف الولايات المتحدة الأميركية في شخص رئيسها دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء المغربية وفتح قنصلية بمدينة الداخلة في الجنوب، يمثل مكسباً تاريخياً مهماً بالنسبة لقضية الوحدة الترابية، صحيح أنه لا يغير وضعية الإقليم أمام القانون الدولي، لكن كسب المغرب للموقف الأميركي سيكون له أثر بالغ، فالولايات المتحدة هي أحد أهم أعضاء مجموعة أصدقاء الصحراء بمجلس الأمن وهي من يتكلف بوضع مسودات قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بقضية الصحراء المغربية.

ثالثاً: هناك معلومات وثيقة تقول إن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن وقبل نهاية ولايته بأشهر سنة 2009، طلب من المغرب الشروع في تطبيق الحكم الذاتي في الصحراء على أن يدعم هو ذلك، لكن المغرب لم يقبل ذلك العرض حرصاً، في اعتقادي، على انضاج حل من داخل الأمم المتحدة بخاصة في ظل تصاعد الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي في تلك الفترة، لهذا يمكن القول إن الاعتراف الأميركي اليوم هو استمرار لقناعة كانت عند عدد من صناع القرار الأميركيين، لكن في المقابل تمثل قناعة المغرب اليوم، رغم رهانه المستمر على الأمم المتحدة، أن هذه الأخيرة عاجزة عن حل هذا النزاع المفتعل بعد 45 سنة كاملة ما دام لا يمكنها فرض حل على أطراف النزاع، وما دام النظام الجزائري لا يزال غارقاً في ثقافة الحرب الباردة وعاجزاً عن إحداث أي تحول في رؤيته الجيواستراتيجية الموروثة عن المعسكر الشرقي.

رابعاً: الوضع الدولي اليوم يعرف متغيرات كثيرة، وقضية الصحراء المغربية كانت في مرحلة سابقة من مشمولات الحرب الباردة، وفي عز التزام المغرب مع المعسكر الغربي لم يحرز أي مكسب مهم، وأساساً لم يتم الاعتراف له بالسيادة من أقرب حلفائه وأخص بالذكر فرنسا، لذلك فإن اختراقاً بهذا الحجم، معناه أنه يعطي المغرب قوة مهمة في تجسيد سيادته على الأرض، مما سيجعل المنطقة بعيدة من صراعات القوى الدولية، بخاصة أن المغرب حافظ في السنوات الأخيرة على علاقات متوازنة مع عدد من القوى الكبرى بخاصة روسيا (اتفاقية الصيد البحري) والصين (عدد من مجالات التعاون آخرها لقاح فيروس كورونا)، كما أنه قام بتحييد عدد من الدول التي كان دعمها كلاسيكياً لـ"جبهة البوليساريو" بخاصة في شرق القارة الأفريقية، من دون أن ننسى أنه جعل المرجعية الوحيدة للحل هي مجلس الأمن الدولي باعتراف من الاتحاد الأفريقي في قمة نواكشوط.

يبقى أن الاعتراف الأميركي، يرتبط بأمرين في غاية الأهمية، الأول يتعلق بالرئيس ترامب وهو رجل سيغادر البيت الأبيض في 20 كانون الثاني (يناير) المقبل، هذا الأمر يطرح سؤالاً حول مدى التزام إدارة جو بايدن القادمة بهذا الاعتراف، الجواب عن هذا السؤال يحيلنا على الأمر الثاني الذي يتعلق بالعلاقات المغربية - الإسرائيلية، هنا يمكن القول إن ربط موضوع الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه ببناء علاقات مع إسرائيل، سيجعل أي إدارة أميركية تتردد في مراجعة موضوع الاعتراف هذا.

المغرب سارع إلى طمأنة القيادة الفلسطينية بأن ما جرى لا يمكن أن يكون على حساب القضية الفلسطينية، فهل تستطيع الرباط فعلاً بناء التوازن بين مصالحها الوطنية وبين التزاماتها اتجاه القضية الفلسطينية؟.

نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.