.
.
.
.

جو بايدن: حكاية سورية جديدة

فايز سارة

نشر في: آخر تحديث:

يتوالى نقاش متعدد الأوجه، يتصل بنتائج انتخابات الرئاسة الأميركية، والتي حملت جو بايدن إلى رئاسة الولايات المتحدة، التي من المقرر أن يتولاها في 20 يناير (كانون الثاني) 2021، وكان بين أكثر النقاشات إثارة ما يتعلق بسياسته في القضية السورية، رغم أن سوريا، لا تمثل نقطة محورية في السياسة الأميركية، لكن قضيتها بما صارت عليه من محتوى وتطورات وتعقيدات ودلالات وعلاقات، تجعلها نقطة مهمة في سياسة واشنطن المقبلة.
النقاش الأولي حول سياسة بايدن المقبلة، ركز من جانب البعض على أن سياسته ستكون نسخة مكررة أو فيها تعديل طفيف عن سياسة أوباما، لأن بايدن شغل منصب نائب الرئيس في عهد أوباما، وهو توقع رد عليه بايدن بصورة غير مباشرة بتأكيد أن عهده لن يكون امتداداً لعهد أوباما، وبهذا غلب فكرة، أن سياسته السورية، سوف تتمايز عن سياسة من سبقه، مؤكداً وجهة نظر الفريق الثاني، وقد شدد المنتمون إليه على قول إن سياسة بايدن ستكون مختلفة بوجه عام وفي القضية السورية بشكل خاص.
واختلاف سياسة بايدن في القضية السورية، يستند إلى ما يتمتع به الرجل من شخصية ذات خصوصية في مزاياها وتوجهاتها وفي تفاصيل أخرى. إذ هو قريب من النزعة الإصلاحية التي جسدها أوباما لكنه لا يتبناها، وهو قريب من اتجاه القوة، التي كانت صفة لسياسة طيف واسع من الرؤساء القادمين من الحزب الديمقراطي، لكنه يقارب القضايا المطروحة عليه بحساسية مختلفة، فلا تكون القوة، خياره الوحيد، وهو يخالف في كل الأحوال نهج سابقه ترمب ليس فقط في محتوى سياسته، إنما أيضاً في طريقة تعامله مع الآخرين من الأميركيين وغيرهم، بل إن بايدن في واحدة من مزاياه، خالف الرئيسين السابقين له، إذ رفع الاثنان شعار الانكفاء نحو الداخل الأميركي بتبني شعار «أميركا أولاً»، فيما رفع بايدن شعار «عودة أميركا»، وهي عودة كما يقدر أقرب الأميركيين إليه، أنها عودة من باب توسيع الحضور والفعل الأميركي في العالم إلى جانب الآخرين، وليس السيطرة على العالم بالقوة والإكراه العنيفين، والخلاصة المكثفة، فإن بايدن في مجيئه، يمثل سياسة وسطية، بعيدة عن تراخي أوباما من جهة وشدة ترمب من جهة أخرى.
شخصية بايدن في أثرها المختلف على القضية السورية، لا تكمن في اختلافه عن الرئيسين اللذين تركا أسوأ أثر أميركي في القضية السورية، بل أيضاً في اختياراته للفريق الصلب في إدارته، والذي بدأ باختيار مجموعة نسائية من صاحبات القضايا لاحتلال مناصب مهمة تنتشر حوله في الحكومة وفي البيت الأبيض على السواء، تتقدمها نائبة الرئيس ومسؤولة جهاز الأمن الوطني، وطاقم الاتصالات في البيت الأبيض، إضافة إلى مرشحات أخريات، يراهن بايدن على دورهن الفاعل في عهده، كما يراهن في جانب آخر على فريق من شخصيات بينهم وزير الخارجية، الذي عمل معه أو قريباً منه إبان عهد أوباما، وأضاف فريقاً ثالثاً من أصدقاء مقربين شاركوا بايدن مراحل من تجربته، مما يعكس نزعته إلى فريق حيوي مجرب وعملي في التصدي لمهمات الحكم والإدارة، والتي سيكون التعامل مع القضية السورية والفاعلين فيها بين المسؤوليات، التي سيباشرها فريق بايدن.
بايدن وفريقه، لن يباشروا سياسته السورية من نقطة الصفر. بل هم أمام معرفة تفصيلية ودقيقة بالقضية السورية ومواقف الأطراف المختلفة فيها بما فيها من مواقف وارتكابات، لم تتأخر إدارتا أوباما وترمب عن إدراكها، والإشارة إلى ضرورة إلى ما ينبغي القيام به من خطوات من أجل التقدم نحو معالجة القضية السورية، ومعاقبة المرتكبين فيها، لكنها وطوال سنوات تراخت في الحالتين، فتساهلت في تفعيل بيان جنيف 2012، وتراخت في تطبيق ما لحقه من قرارات دولية ومنها القرار 2254، وتساهلت في معاقبة أنظمة بينها إيران وروسيا ونظام الأسد، وسكتت عن أشخاص ارتكبوا جرائم لا يمكن تجاهلها ضد السوريين، بينها جريمة استخدام السلاح الكيماوي والمذابح الجماعية وعمليات التهجير والتغيير الديموغرافي، كان بينهم بشار الأسد وأركانه، وهي إلى ما سبق، لم تقم بمتابعة ورعاية ما قررته من عقوبات ضد نظام الأسد وحلفائه الذين ساعدوه في بقائه وتواصل جرائمه وفي الإفلات من العقوبات وخاصة إيران وروسيا، ولعل ما أحاط بتطبيقات قانون قيصر مثال على هذا الجانب من مواقف إدارة ترمب، التي أصدرت قانون قيصر.
مشكلة السياسة الأميركية في عهدي أوباما وترمب، أنها لا تؤثر فقط على سياسات واشنطن، بل تؤثر على سياسات الأطراف الأخرى القريبة من واشنطن والحليفة الموضوعية لها، وهي غالبية دول العالم وفي مقدمتها الدول الأوروبية والدول الإسلامية والعربية، وهذه كلها، تقارب سياسة واشنطن وتسايرها، بل إن بعضها لا يجرؤ على تجاوزها، أما ترديات سياسة واشنطن على دول الخصم، فإنها تدفعها للمضي إلى ما هو أبعد في استراتيجياتها ومشاريعها، ونظام الأسد ما كان ليكرر استخدامه الكيماوي مرات لولا السكوت الأميركي، ولا كان بإمكان إيران وروسيا التدخل إلى المستوى الحالي في سوريا لولا غض البصر الأميركي، وهذه كلها مجرد أمثلة.
إدارة بادين في سياساتها السورية، ستنطلق من هذه المعطيات، وقد أشار بايدن وبعض فريقه بصورة مباشرة إلى بعض المعطيات، على نحو ما فعل المرشح لوزارة الخارجية، ومرشح وكالة المخابرات المركزية، وأكدوا أنها ستكون موضع اهتمامهم ومعالجتهم، وهذا يؤشر إلى ما يمكن أن تكون عليه سياستهم السورية، والتي تعني اختصاراً قيام بايدن وفريقه بإظهار إرادة الرئيس وجديته في التعامل مع القضية السورية وما يتصل بها من تفرعات وتداعيات إقليمية ودولية، وأعتقد أن هذا ما سيحدث بصورة تصاعدية مع تولي بايدن مهامه.
غير أني أحيط تقديري بحذر، هو خلاصة تجربتنا نحن السوريين في عشرات، بل مئات المواقف التي اتخذتها الولايات المتحدة وأطراف دولية وإقليمية أخرى في تأييد مطالب السوريين في وجه نظام قاتل ومستبد، وفي إدانة النظام وجرائمه وحلفائه، ثم تراجعت عنها، مما أطال زمن المقتلة والتهجير والمعاناة، وهذا جوهر الحكاية السورية، التي يدخل بايدن فضاءها، ليكتب، ربما، فصلاً جديداً فيها، يكون مقدمة لنهاية المأساة، وإن أدركه الحظ، فقد يكون فاعلاً فيها وشاهداً على نهاية المأساة السورية.

*نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.