.
.
.
.

مصر.. والقضية الفلسطينية

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

تلعب مصر دورًا تاريخيًّا إزاء القضية الفلسطينية، وهو دور تسنده اعتبارات جيوستراتيجية يصعب جدًّا توافرها لدول أخرى تمتلك الرغبة والقدرة للعب دور مماثل. ورغم هذا الوضع المتميز للدور المصرى فى إطار تلك القضية الشائكة والمعقدة، فإن هذا الدور تراجع بشدة فى العقود الأربعة الأخيرة، والأخطر من ذلك أنه بات قابلًا للتشكيك.

فى أعقاب اتفاقية السلام المصرية- الإسرائيلية، استطاعت قوى إقليمية منافسة أن تُحد من فاعلية الدور المصرى فى هذا الملف، وصولًا إلى حد الإقصاء التام فى بعض المراحل، وعندما استطاعت مصر استعادة بعض من تمركزها الإقليمى لاحقًا فى التسعينيات الفائتة، كان الإيرانيون والأتراك والقطريون وغيرهم قد استطاعوا أن يمتلكوا أوراقًا مهمة تخص القضية الفلسطينية، وعندما حدث الانقسام الحاد بين القطبين الفلسطينيين «حماس» و«فتح»، انفتح المجال رحبًا أمام خطط تقاسم النفوذ والتأثير والاستتباع، فزادت الأدوار وارتفع عدد اللاعبين. فى شهر ديسمبر من عام 2010، نشر موقع التسريبات الشهير «ويكيليكس» وثيقة تنسب إلى الشيخ حمد بن جاسم، رئيس وزراء قطر، ووزير خارجيتها الأسبق، قوله: «مصر تبدو مثل طبيب لديه مريض واحد، وإذا كان هذا هو العمل الوحيد لدى هذا الطبيب، فإنه سيسعى لإبقاء المريض على قيد الحياة.. ولكن فى المستشفى لأطول فترة ممكنة». لقد كان ابن جاسم يتحدث بالطبع عن «المريض الفلسطينى»؛ إذ رأى أن مصر فى نهايات عهد الرئيس حسنى مبارك كانت قد جُردت من كل نفوذها الإقليمى وتأثيرها الدولى، ولم يبق لها سوى قضية واحدة تثبت بها أنها ما زالت قادرة على الفعل، ولذلك فإنها تماطل فى حل تلك القضية، لأنها ببساطة لن تجد شيئًا آخر تفعله إن تم حلها.

لا يمكن بالطبع تصديق ما قاله المسؤول القطرى السابق فى هذا الصدد؛ لأن ما فعلته مصر للقضية الفلسطينية يبقى مثالًا واضحًا للتضامن القومى والالتزام الأخلاقى والسياسى، ورغم أن عديد الأخطاء والإخفاقات المريرة وقعت ضمن السياسات المصرية الهادفة لحل القضية أو التعاطى مع تطوراتها، فإن توجيه مثل ذلك الاتهام لمصر يظل عاريًا من المصداقية وخاليًا من اللياقة وبعيدًا عن المنطق. لكن الأهمية فيما قاله ابن جاسم إنما تكمن فى كشف نظرته للقضية الفلسطينية، واعتباره أن فلسطين ليست سوى «مريض» يمكن التكسب من علاجه أو ربما «بيع أعضائه»، وهو الأمر الذى لاحظنا أن قطر تسعى إليه لاحقًا.

لقد مرت القضية الفلسطينية بأوقات عصيبة، وهى اليوم تمر بأحد تلك الأوقات، إذ تتغير طبيعة البيئة الإقليمية والدولية الحاضنة للقضية تغيرًا جوهريًّا؛ ففى الشكل: ستتحول الأطراف الداعمة والمساندة تقليديًّا إلى أطراف محايدة، تلعب أدوارًا متوازنة بين طرفى النزاع. وفى المضمون: تفقد القضية الفلسطينية ركيزة معنوية هائلة ومؤثرة، وتُجبر على الامتثال لمقتضيات الحلول الإجرائية الباردة والمخلصة للحسابات المجردة.

ستضحى مصر فى الموضع الصعب مجددًا؛ فهى ضمن سياق يحدد طاقة فعلها وتأثيرها، ويحد من قدرتها على إحداث اختراق من جانب، وهى ملزمة بالاتساق مع رؤى ومواقف حلفاء فى الإقليم وخارجه من جانب آخر. ومع ذلك، فإن ثمة ما يمكن فعله ضمن الجائز والمقبول والمتحرر من القيود، وضمن ما يتوجب على مصر بوصفها التاريخى والأخلاقى أن تفعله. ومن ذلك، أن المفاوضات التى تجرى باطراد وبلا توقف لتوحيد المسار الفلسطينى الداخلى يجب أن تثمر وأن تكون أكثر فاعلية، وسيكون ذلك عبر الضغط الحقيقى والفعال.

كما يمكن لمصر أن تجتهد فى نقل القضية إلى المسار الأممى مجددًا، عبر دعم مبادرة الرئيس عباس لعقد مؤتمر دولى للسلام، وإعادة القضية إلى مقررات الشرعية الدولية، التى تبدو أكثر موضوعية وإنصافًا من الاستسلام لحلول قد تقود إلى بيع أعضاء المريض الفلسطينى.

*نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.