.
.
.
.

الحكومة التي صفّق لها البرلمان!

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

ذاكرتي لا تحمل أي صورة لحكومة يُصفق لها مجلس منتخب إلا ما حدث منذ أشهر للحكومة الكويتية في الأسابيع الأولى لوباء "كوفيد-19. وقتها كان الشعور الغامر أن الحكومة قد قامت بعمل مميز، ففي بلاد أمام كل مواطن من مواطنيها هناك على الأقل ثلاثة من العاملين الضيوف، بكل تنوعاتهم وثقافاتهم ومن أرجاء العالم، وبعضهم لا يحمل أي مؤهلات تمكنه من التفريق بين الصحيح والخطأ خصوصاً في الأمور الصحية، وهم يعيشون في أماكن سكن مكتظة، كما أن الآلاف من مواطنيها في مدن ودول العالم، حيث كان على الدولة أن تعيدهم الى بلدهم.

في هذه الأجواء ونتيجة الضغط النفسي الشديد تصرفت الإدارة التنفيذية بمهنية، ما أوجب ذلك التصفيق. رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الخالد كان قد تسلم المهمة في ظروف صعبة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، وفي فضاء معبأ إما بالإشاعات او الحقائق حول ترهل العمل العام، وكان يعرف أن لوزراته بضعة اشهر "اقل من عام" بسبب الاستحقاق الدستوري في الدعوة الى انتخابات عامة آخر 2020. وقد وقف رئيس الوزراء في مجلس الأمة وقال عبارة ما زالت عالقة في ذاكرتي "أنتم هنا تتحدثون وأنا عيني على عدد الأسرّة للعناية المركزة في المستشفيات"! تعبيراً عن القلق من تزايد الحالات المصابة. مرت الإدارة في الأحد عشر شهراً في ممر ضيق، فأمام عدد كبير من "الاستجوابات" من مجلس عام 2016 وفي الوقت نفسه انفجرت ملفات فساد ضخمة ودخل عدد من المسؤولين الكبار في تحقيقات طويلة، وهي ملفات لا تقتصر على الفساد "الإداري والاجتماعي" بل أضخم. وقبل أسابيع قليلة من الاستحقاق الانتخابي فقدت الكويت أحد اعمدتها السياسية هو المرحوم الشيخ صباح الأحمد. إنها سنة صعبة لأي سياسي وملفات حرجة لأي متعاطٍ للشأن العام.

صباح الخالد بشخصيته المتوافق على قدرتها وحسن سيرتها والتي اكتسبت ثقة الجمهور، ولكن حتى في الفترة القصيرة ومع تراجع حرارة التأييد، أوقفه مجلس 2016 على منصة الاستجواب. عاد من جديد مكلفاً كرئيس وزراء بعد انتخابات لم تكن سهلة في شكلها وظروفها ومخرجاتها في الأسبوع الأول من شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري. اليوم تدخل الحكومة الجديدة الى مجلس الأمة برئاسة صباح الخالد الى المجلس المنتخب الجديد لتنال الثقة، والكويت والعالم يتنفسان الصعداء تفاؤلاً ببدء نهاية الجائحة، كما أن الفترة الزمنية تختلف فهي غير محددة بعام واحد نظرياً كما كانت الفترة الأولى، وأيضاً أمام مجلس جديد، أعضاؤه جُدد لهم بما يقارب الـ 60 في المئة وبأفكار جديدة. كل التحديات التي وصفت في السابق قد تهون إن نظرنا الى التحديات المقبلة وهي تحديات لها علاقة بالمطالب المستجدة للناس.

إن قرأت ما يُكتب في الكويت اليوم خصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي سوف تصل الى قناعة عامة أن "ما بعد كورونا ليس كما قبله"، وتراوح الأولويات لكثير من الناس، بل وتراوح تلك الأولويات حتى للأعضاء في المجلس الحالي والذي تفاوتت تقييماته من "معارض" الى "توقع ان يكون منتجاً"، إلا أن ما يتفق عليه كثيرون وفي الخطوط العريضة أن "هيكلية" العملية الانتخابية وآلياتها يتوجب النظر فيها بجدية، فلم يعد من المقبول بعد أكثر من ستين عاماً من التجربة البرلمانية بصعودها وهبوطها أن لا ينظر في العوار التي تحمله من حيث الهيكل ومن حيث الآلية، فلم يشكل أي من المجالس السابقة "الكتلة الحرجة الدائمة للإصلاح" في بعضه شكل كتلة موقته لهدف موقت. اذا لم تشكل تلك "الكتلة الحرجة الدائمة للإصلاح" فإن الملفات الصعبة سوف تتضخم والتي تتراوح بين إكمال ملف الجائحة والنظر بجدية في إصلاح المنظومة الصحية من حيث البشر المدربين والكادر المعاون إلى جانب ما يجب أن يتوفر لهم من سلة عالية من الأدوات والأجهزة، ثم ملف التعليم وهو ملف يحتاج الى زيارة جادة، وقد دخلنا في "شبه فضيحة" أثناء الجائحة في قصور التعليم وعدم مجاراته للتقنية الحديثة من جهة، ونقص كفاءته من جهة أخرى، وقد ظهر ذلك في الخطط الارتجالية التي قدمتها الإدارة التربوية والنوعية القيادية التي ظهرت متواضعة في عدد من الاستجوابات التي تمت في مجلس 2016.

اما الإدارة العامة، فهي تحتاج لوقفة مرة أخرى من حيث القضاء على الفساد الإداري المستفحل والتحول الى الخدمات الرقمية، فالكثير من الخدمات الإلكترونية التي تم اعتمادها كانت قاصرة ومعطلة وأصابت الجمهور بالإحباط، فإعادة الزيارة الى مفهوم وطريقة الإدارة العامة في كل المؤسسات تحتاج الى "هزة" حقيقية من دون مجاملة. أما الملفات الأخرى، فهي كثيرة بعد ثلاثية الصحة والتعليم والإدارة العامة، منها حالة الطرق التي ما زالت "تُصلّح وتُخرب" على التوالي نتيجة غياب الرقابة، وأيضاً التدخل من بعض أعضاء السلطة التشريعية في جزء أساسي من أعمال السلطة التنفيذية من خلال تمرير المصالح أو الوساطة. تلك أولوية قصوى من الخطأ تجاوزها بالعودة الى المشاكسة والمناكفة، ولعل أكثر مما يتذكره الجمهور العام في الكويت اليوم رد إحدى الوزيرات الناجحات جنان بو شهري التي غادرت منصبها قسراً في مثل هذا الوقت من عام 2019 حيث قالت ما معناه "المصالح الخاصة في قاعة عبدالله السالم أقوى من الإصلاح"! قول أصبح مأثوراً وسوف يتذكره الكويتيون في كل افتتاح مجلس أمة جديد كمثل اليوم، منتظرين بصبر يتناقص أن ينتصر ترياق الإصلاح المستحق على وباء المصالح الشخصية.

* نقلا عن "النهار العربي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.