.
.
.
.

بلطجة أردوغان تفرم جهود الحل في ليبيا

الحبيب الأسود

نشر في: آخر تحديث:

في الوقت الذي يرحب فيه العالم بخطوات الليبيين نحو الحل السياسي للأزمة المستفحلة في بلادهم منذ تسع سنوات، يخطط رجب طيب أردوغان لأشياء أخرى، لعل أبرزها البقاء على الأراضي الليبية بقواته ومرتزقته وسلاحه وذخيرته إلى ما لا نهاية، في شكل واضح ومعلن ومقصود من أشكال العربدة والعبث، والدوس الممنهج على قرارات الأمم المتحدة والجهود الإقليمية والدولية.

أردوغان يقول للجميع “أنا أفعل ما أريد فماذا أنتم فاعلون؟” وما عرضه على البرلمان قرارا بتمديد وجوده في ليبيا 18 شهرا، إلا دليلا على أنه قرر الإطاحة باتفاق جنيف المبرم في 23 أكتوبر وما نتج عنه من مخرجات اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة في غدامس وسرت، بل وأن تكون الانتخابات التي أقرها ملتقى تونس وحددت الأمم المتحدة موعدها يوم 24 ديسمبر 2021، تحت وصاية نظامه، وبحضور قواته.

بينما على توافقات الليبيين وحوارهم العسكري والسياسي والقرار الذي تضمنه اتفاق جنيف بمغادرة القوات الأجنبية والمرتزقة وجميع التعهدات الدولية والأممية أن تذهب أدراج الرياح، وعلى الشعب الليبي أن يبقى رهينة مناورات أردوغان وحلفائه في غرب البلاد.

لقد دق النظام التركي آخر مسمار في نعش مصداقية الأمم المتحدة بخصوص الملف الليبي، وأكد لستيفاني ويليامز أن كل ما تقوم به لا يعنيه في شيء، وأصبح يتصيد الفرصة لشن حرب جديدة في ليبيا، وهو اليوم يمتلك حضورا كبيرا في غرب البلاد، واستطاع أمام أنظار العالم أن يجهّز سربا كاملا من طائرات إف – 16 بقاعدة الوطية، ولديه ما لا يقل عن أربعة آلاف عسكري تركي وأكثر من سبعة آلاف مرتزق سوري، مع سيطرة تكاد مطلقة على قرار حكومة السراج وميليشياتها، وهدفه التوسع شرقا وجنوبا، والسيطرة على منابع النفط والغاز، والدفع بقوات الجيش إلى زاوية ضيقة في شرق البلاد، تكون تحت غطائه الناري.

إن أردوغان من ذلك النوع الذي كلما ضاقت حوله الدائرة، اتجه إلى توسيع المشكلة أكثر، وهو اليوم يتحدى العالم بمواقفه في ليبيا، ويريد أن يقول لأوروبا إنه موجود على حدودها الجنوبية، وإنه قادر على التحكم في مسالك الإرهاب والتهريب والهجرة غير الشرعية، وإنه بصدد وضع يده على بوابة أفريقيا الشمالية، ومن اليسير بالنسبة إليه أن يتمدد في دول الساحل والصحراء، وأن يضرب مصالح دولة كفرنسا معتمدا على الجماعات الإرهابية التي تدور في فلكه وتسير في ركابه، وأن لا حل أمام الأوروبيين إلا الاعتراف بحقوقه التوسعية المزعومة في دول يقول إن له بها أقليات وجذورا ثقافية، ومنها ليبيا، التي يعتبرها ضيعة عثمانية قديمة آن له أن يستعيدها.

ويريد أردوغان أن يبقي على وجوده في ليبيا ليلاعب به الإدارة الأميركية القادمة، التي يرى أنها ستترك الملف الليبي للأوروبيين، وهذا يبدو صحيحا، وكذلك ليبتزّ الروس قدر الإمكان، وليزعج المصريين وحلفاءهم الإقليميين، وليفرض أجنداته على دول الجوار، وهو إلى كل ذلك يريد إشباع نرجسيته المقيتة وأوهامه الإمبراطورية والإبقاء على الصورة التي ينظر بها إليه مناصروه من حزب العدالة والتنمية ومن القوميين الأتراك في الداخل والجماعات المتطرفة والإرهابية وعصابات الإسلام السياسي في الخارج.

لا يخفي أردوغان نظرته الاستعمارية لليبيا، وهو يجد من يدعمه في ذلك من بين الليبيين أنفسهم؛ جماعة الإخوان التي لا تحظى برصيد شعبي ولا بخزّان انتخابي ومع ذلك تريد حكم البلاد والسيطرة على مفاصل الدولة، وأمراء الحرب المتورطون في جرائم لا تسقط بالتقادم ويبحثون عن حماية دائمة من سلطة القانون في حال تفعيل مؤسسات الدولة من جديد، والحيتان الكبيرة من الفاسدين ولصوص المال الذين يستظلون بظلال أردوغان من خلال الدفع بالأموال التي ينهبونها من ثروة الشعب للاستثمار في تركيا والتجارة معها، وأصحاب النزعات الانفصالية العرقية والجهوية ممن يريدون تأجيل الحل السياسي إلى حين اللحظة التي تحقق لهم غاياتهم.

وفي المقابل، هناك أغلبية ساحقة من الشعب تعاني ويلات الفقر والمرض والحرمان، وهناك قوى وطنية عاجزة أمام سيل الخيانات الجارف في كواليس الحكم في طرابلس، وهناك جيش وطني مكبّل بالقرارات والتوصيات الدولية، وهناك قبائل ضجيجها أكثر من طحينها، وهناك متاجرون بكل شيء، ومساومون في كل شيء، ومستفيدون من كل شيء، تجدهم في الشرق كما في الغرب، ومن مختلف التيارات الفكرية والتجارب السياسية، ومن النظام السابق، ومن إفرازات أحداث فبراير 2011، وممن لم يتبلور لديهم بعد مفهوم الوطن والسيادة، وهم يميلون إلى ظلال الغزاة والمحتلين والدخلاء أكثر من ميلهم إلى الدولة والمجتمع والشعب الذي ينتمون إليه.

لا أدري بالضبط، ماذا ستقول وليامز أمام قرار أردوغان بتمديد وجود قواته ومرتزقته في ليبيا، ولا كيف ستتحدث بعد الآن عن إنجازها بتحديد يوم 24 ديسمبر 2021 موعدا للانتخابات، وهل يعقل تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية تحت حراب عسكر أردوغان؟ ولا أفهم كيف سيكون عمل اللجنة العسكرية المشتركة بعد أن ثبت أن النظام التركي داس على اتفاق جنيف بقدميه، ولا كيف ستنتخب لجنة الحوار السياسي سلطات تنفيذية جديدة بينما العاصمة طرابلس تحت وصاية أجنبية معلنة، ولا كيف سيتجه الليبيون إلى المصالحة وبينهم من يستقوون بدخيل أجنبي ويرون فيه الحاكم بأمره.

لقد انتظر أردوغان اللحظة المناسبة ليأتي بفرّامة إلكترونية، وضع فيها كل شيء: الحوارات والتفاهمات والاتفاقيات والوعود والتعهدات والقرارات والبيانات والأجندات والحسابات ومصداقية الأمم المتحدة ومجلس الأمن والضغوط الإقليمية والدولية والمواقف الأوروبية والعربية والأفريقية وضغط على الزر.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.