.
.
.
.

تحقيق يكشف تورط جهاز أمني روسي بتسميم أليكسي نافالني

سوسن مهنا

نشر في: آخر تحديث:

يعود أليكسي نافالني المعارض الروسي البارز مجدداً إلى الواجهة، وهذه المرة عبر تحقيق مشترك بين "Bellingcat" بيلينغ كات (موقع إلكتروني للصحافة الاستقصائية) و"The Insider" (موقع الصحافة الاستقصائية الروسي)، بالتعاون مع "Der Spiegel" الألمانية وشبكة "سي أن أن" الأميركية، كشف عن بيانات اتصالات وسفر ضخمة، تشير إلى تورط جهاز الأمن الفيدرالي الروسي "FSB" في تسميم نافالني.

يبدو أن عملية التسميم التي تمت في أغسطس (آب) 2020 في مدينة تومسك السيبيرية حدثت بعد سنوات من المراقبة، التي بدأت في عام 2017 وذلك بعد وقت قصير من إعلان نافالني عن نيته الترشح لمنصب الرئاسة. طوال عام 2017، ومرة أخرى في عامي 2019 و 2020، قام عملاء "FSB" ووحدة سرية متخصصة في التعامل مع المواد السامة بتعقب نافالني خلال رحلاته عبر روسيا، وسافروا معه في أكثر من 30 رحلة متداخلة إلى نفس الوجهات. ومن المحتمل أن تكون هناك محاولات سابقة لتسميم نافالني، بما في ذلك محاولة في مدينة كالينينغراد الروسية قبل شهر واحد فقط من تسميمه بمادة "نوفيتشوك" القاتلة، حيث انهارت صحة نافالني في رحلة تومسك، المحطة الأخيرة في رحلته إلى سيبيريا.

سم غير معروف من قبل

في 20 أغسطس 2020، دخل نافالني في غيبوبة خلال رحلة من مدينة تومسك إلى موسكو، ما دفع بالطائرة إلى هبوط اضطراري ونقله إلى المستشفى في بلدة أومسك. وقال الأطباء المحليون الذين جاءوا من موسكو حينها، إنهم لم يجدوا أي علامات لتسمم حاد. بعد يومين، نقل نافالني إلى مستشفى شاريتيه الألماني حيث شخصت حالته على الفور بأنه تعرض لتسمم حاد بمادة من مجموعة مثبطات استيراز الأستيل كولين، وقام مختبر عسكري ألماني ومختبران أوروبيان مستقلان ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية "OPCW" بتحديد السم كعامل أعصاب ينتمي إلى مجموعة نوفيتشوك. وحددت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية السم على أنه مثبط للكولين استيراز يشبه بنيوياً متغيرات نوفيتشوك المعروفة، ولكن لم يُضمّن في قائمة غازات الأعصاب المحظورة التي حُدّثت بعد تسمم "سكريبال" في عام 2018.

وهذا يعني أن السم المستخدم في حادثة نافالني، كان أحدث نوع سم غير معروف من قبل. لكن قبل ذلك وفي 28 يوليو (تموز) 2019، أثناء احتجازه بتهمة تنظيم مسيرة احتجاجية غير مصرح بها، عانى نافالني من طفح جلدي شديد والتهاب في العين، الذي وفقاً لطبيبه، قد يكون ناتجاً عن لمس عامل كيماوي مجهول. نقُل إلى المستشفى وشخصت إصابته بالتهاب الجلد التماسي، وعاد إلى السجن بعد يوم واحد، بعد أن قال متخصصون طبيون تابعون للحكومة، إنهم لم يعثروا على أي آثار للسم في عينات دمه. ولم يتم الرد على طلبه للتحقيق في القضية.

نافالني كان ملاحقاً من قبل وحدة أمن خاصة

يكشف التحقيق عن ثلاثة عملاء من "FSB" جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، سافروا جنباً إلى جنب مع نافالني إلى نوفوسيبيرسك ثم تبعوه إلى مدينة تومسك، حيث تم تسميمه في النهاية. وسافر اثنان من هؤلاء العملاء بهويات سرية، هما أليكسي أليكسندروف (39 سنة) وإيفان أوسيبوف (44 سنة) وكلاهما يمتهن الطب، والآخر هو فلاديمير بانيايف (40 سنة). تم دعم هؤلاء الثلاثة والإشراف عليهم من قبل ما لا يقل عن خمسة عملاء آخرين من "FSB"، سافر بعضهم أيضاً إلى أومسك، حيث تم نقل نافالني إلى المستشفى.

ويكشف التحقيق عن بيانات تشير إلى وجود برنامج أسلحة كيماوية سري، يديره أعضاء من أجهزة الاستخبارات المحلية الروسية، وتظهر سجلات الهاتف وسجلات التوظيف أن هذا البرنامج يشغل تحت غطاء وحدة (FSB) المكلفة رسمياً إجراء تحقيقات الطب الشرعي في الأعمال الإرهابية ومنع الجرائم ذات التقنية العالية. ومع ذلك، في حين أن هذه الوحدة لديها بعض النشاط الاستقصائي المشروع، كان أحد أدوارها الرئيسة والسرية، هو توفير غطاء لوحدة فرعية سرية تضم ما يقرب من 15 عنصراً من ذوي الخلفيات في الحرب الكيماوية والبيولوجية والطب والعمليات الخاصة. تقوم هذه الوحدة الفرعية بتقديم تقاريرها إلى عالم عمل سابقاً في برنامج الأسلحة الكيماوية العسكرية الروسية في شيخاني، حيث تم تطوير غازات أعصاب تتبع لعائلة نوفيتشوك في الأصل، وهي مدعومة بشبكة من المتخصصين الآخرين في الأسلحة الكيماوية المنتشرين في عديد من المعاهد، التي تديرها الحكومة الروسية مثل معهد "SC Signal". وفي التحقيق أيضاً كُشف عن بيانات الاتصالات والسفر التي تشير بقوة إلى أن محاولة تسميم حياة نافالني في أغسطس الماضي، كانت مطلوبة على أعلى المستويات في الكرملين. وبحسب (بيلينغ كات) يكشف هذا التقرير وللمرة الأولى عن بيانات تربط بشكل مباشر تسميم نافالني بخدمات الأمن المحلية الروسية. ويعد هذا التحقيق مهماً بشكل خاص بسبب الفراغ القانوني الذي لم تقدم فيه أي دولة غير روسيا، الدولة المتورطة في محاولة الاغتيال، اختصاصها لإجراء تحقيق رسمي في حادثة تسمم نافالني شبه القاتلة.

تفاصيل حادثة نافالني

في مقابلتين منفصلتين مع أليكسي ويوليا نافالني، في وقت مبكر من صباح يوم 6 يوليو (تموز) اليوم الرابع من عطلتهم في كالينينغراد، قررا القيام بنزهة على طول الشاطئ. عادا لفترة وجيزة إلى غرفتهم بالفندق ثم خرجا لتناول الغداء في مقهى قريب على شاطئ البحر. على طول الطريق إلى المقهى، شعرت يوليا نافالني فجأة بالضعف. عندما وصلا إلى المقهى ومن دون أي أعراض تحذيرية، قالت في كلماتها "شعرت بمرض أكثر مما شعرت به في حياتي". سألها زوجها ما هو الخطأ وما إذا كانت تشعر بأي ألم، لكنها لم تستطع تحديد أي جزء معين من جسدها يؤلمها. شربت بعض الماء وقالت إنها ستعود إلى الفندق لتستريح، بينما بقي نافالني في المقهى. تأكدت هذه المعلومات عن أن يوليا نافالني شعرت بتوعك عبر مدير مقهى "كاكتوس" في مكالمة هاتفية مع أليكسي نافالني. في طريق العودة، جلست لفترة وجيزة على مقعد ووجدت أنه من المستحيل تقريباً الوقوف. تقول إنها بالكاد استطاعت التحكم في ساقيها مع أنها قطعت مسافة 300 متر فقط إلى الفندق. وفي غرفتها استلقت على السرير، وغلبها مرضها غير المحدد. بعد عودة زوجها، قررت العودة إلى النوم وشعرت بالتعافي صباح اليوم التالي.

مساء يوم 12 أغسطس، حجز ثلاثة من أعضاء فرقة "FSB" أليكسندروف وأوسيبوف وبانيايف رحلات طيران في صباح اليوم التالي إلى نوفوسيبيرسك. كان أليكسندروف يطير باسم "فرولوف" وأوسيبوف باسم "سبيريدونوف". فقط بانيايف استخدم اسمه الحقيقي. اختاروا وجهتهم بشكل عشوائي، أربع مناطق بعيدة إلى الشرق، في سيبيريا. في هذا الوقت كان مكتب الأمن الفيدرالي قد علم أن عضواً رئيساً في فريق مؤسسة نافالني لمكافحة الفساد "FBK" رئيس وحدة التحقيق، ماريا بيفشيخ قد اشترت تذكرة سفر إلى نوفوسيبيرسك. وفي وقت سابق من ذلك اليوم، اجتمع فريق "FBK" الأساسي في مكتبهم لمناقشة خطط سفرهم. بعد أشهر، تسربت لقطات المراقبة إلى قناة تلفزيونية روسية مملوكة للدولة، أظهرت أن بيفشيخ قد تعرضت للمراقبة طوال اليوم، بدءاً من اللحظة التي غادرت فيها شقتها في موسكو في وقت مبكر من ذلك الصباح.

وتشير سجلات المكالمات في الأيام الثلاثة التالية إلى أن عضواً في وحدة النخبة في جهاز الأمن الروسي، أوليغ تاياكين بقي في المقر الرئيس في فارجي في موسكو، وذهب إلى المنزل لفترة وجيزة مرتين فقط خلال هذه الفترة. وكان يجري باستمرار ويتلقى مكالمات هاتفية آمنة عبر بروتوكول الإنترنت مع شخص غير معروف، ويتصل بماكشكوف في وقت مبكر كل صباح. وكان ماكشاكوف بدوره، يتصل ببوغدانوف بعد كل مكالمة واردة من تاياكين، وهؤلاء جميعاً أعضاء في وحدة "FSB". حجز نافالني وفريقه لاحقاً رحلات العودة من تومسك إلى موسكو لرحلة الصباح في 20 أغسطس. بعد فترة وجيزة، تظهر بيانات حجز شركات الطيران أن فريق "FSB" اشترى أيضاً تذاكر العودة من تومسك إلى موسكو في 21 أغسطس.

في حين أن استهداف فرقة "FSB" لنافالني قبل 2020 يقتصر على بيانات القطار والطيران، فإن توثيق عملياتهم لعام 2020 أكثر دقة بفضل البيانات الوصفية للمكالمات الهاتفية الأولية المتعلقة بعديد من أعضاء الوحدة. سمح تحليل سجلات المكالمات التي تضمنت في كثير من الحالات بيانات تحديد الموقع الجغرافي لأبراج الهاتف الخلوي بإعادة بناء اتصالات الوحدة خلال الوقت الذي تم فيه تسميم نافالني في تومسك، ومحاولة أخرى محتملة لتسميم نافالني. في الحالة الأخيرة، التي تم الإبلاغ عنها هنا لأول مرة، واجهت زوجة أليكسي نافالني يوليا أعراضاً مماثلة خلال رحلة قامت بها مع زوجها.

يكشف هذا التحقيق كميات كبيرة من البيانات التي تورط "FSB"، في تدمير نافالني على مدى فترة طويلة من الزمن، باستخدام عملاء لديهم تدريب متخصص في الأسلحة الكيماوية والكيمياء والطب، وهي مجموعة مهارات لا تتوافق مع ممارسات المراقبة المنتظمة. كان هؤلاء العناصر على مقربة من الناشط المعارض في الفترة الزمنية التي تم خلالها تسميمه بسلاح كيماوي من الدرجة العسكرية. وكانوا بالقرب منه في مناسبة أخرى على الأقل عندما شعر أحد أفراد الأسرة بأعراض لا يمكن تفسيرها، تتوافق مع جرعة عرضية غير مميتة من نفس السم. وسبق لهم أن قاموا بتعقبه في أكثر من 37 رحلة في السنوات الأربع الماضية. بالنظر إلى هذه السلسلة غير المعقولة من الصدف، "يبدو أن عبء إثبات التفسير البريء يقع على عاتق الدولة الروسية فقط"، بحسب التقرير.

ما هو معهد "FSB"؟

تأسست هذه المنظمة في الأصل عام 1977 كوحدة تحقيق عالية التقنية في "KGB "(وحدة أمن الدولة الروسية)، وتقدم خدمات تتراوح من اختبار كشف الكذب والتعرف على الصوت والوجه إلى نشر القنابل الآلية. لعبت الوحدة دوراً رئيساً في التحقيق في جميع الحوادث الأمنية الكبرى في روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي، مثل تفجيرات الشقق السكنية عام 1999، وانفجار غواصة كورسك، وحصار مدرسة نورد أوست وبيسلان، فضلاً عن تفجيرات مترو سان بطرسبرغ. ادعت وحدة "FSB" هذه أيضاً بعض الإنجازات الباطنية، مثل القدرة على تحديد مكانة المشتبه به وخلفيته التعليمية بناءً على عينة صوتية. ويتابع التقرير أنه بناءً على تحليل البيانات الوصفية لمئات الآلاف من اتصالات الهاتف، يبدو أن هذا البرنامج يشرف عليه الكولونيل ستانيسلاف ماكشاكوف، وهو عالم عسكري عمل سابقاً في معهد التركيب العضوي الحكومي في بلدة شيخاني العسكرية المغلقة، المعروف أيضاً كوحدة عسكرية 61469. حتى الإنهاء الرسمي لبرنامج الأسلحة الكيماوية الروسي، قدم هذا المعهد العسكري البحث والتطوير لأشكال جديدة من الأسلحة الكيماوية، بما في ذلك غازات الأعصاب من نوع نوفيتشوك كجزء من إجمالي 21 مادة شديدة السمية. تم تحديد صلة ماكشاكوف داخل العملية بناءً على خبرته الواسعة والتسلسل الزمني للمكالمات الهاتفية بين أعضاء الفريق على الأرض ورؤسائه، بما في ذلك الجنرال كيريل فاسيليف والجنرال فلاديمير بوغدانوف. يشير ترتيب وتواتر هذه المكالمات إلى أن هؤلاء النشطاء كانوا يقومون بالإبلاغ أو التشاور مع ماكشكوف، وشكل الكولونيل رابطاً مشتركاً بين خبراء الأسلحة الكيماوية العاملين في موسكو والعملاء على الأرض الذين يتعقبون نافالني في جميع أنحاء روسيا.

تحقيقات سابقة لـ Bellingcat

في سلسلة سابقة من التحقيقات، كشف بيلينغ كات عن أدلة على أن وكالة المخابرات العسكرية الروسية "GRU"، كانت مسؤولة عن تسميم بمادة نوفيتشوك لسيرجي وابنته يوليا سكريبال في المملكة المتحدة (محاولة اغتيال أدت إلى مقتل مواطن بريطاني) و تسمم إميليان جيبريف في بلغاريا. كما أن وكالة الأمن الروسية الرئيسة "FSB" كانت وراء اغتيال طالب لجوء جورجي على الأراضي الألمانية.

في تحقيق آخر كشف بيلينغ كات على أن روسيا لم تنه برنامج أسلحتها الكيماوية، لكنها بدلاً من ذلك تخفي قدرتها التنموية خلف شبكة من المعاهد التي تديرها الدولة. بعد الإغلاق الرسمي لبرنامج الأسلحة الكيماوية الذي يديره الجيش الروسي في عام 2010، أعادت المعاهد التي تشارك في أبحاث مدنية ظاهرياً توظيف علمائها الأساسيين. في الواقع، استمر هؤلاء العلماء في تقديم دعم تطوير الأسلحة الكيماوية وتصنيعها لأجهزة الأمن الروسية.

وتنفي روسيا تورطها في كل تلك القضايا، في حين أن الحكومات الأميركية والأوروبية ألقت باللوم على الحكومة الروسية، بخاصة جهاز الأمن الفيدرالي، لتسميم نافالني شبه المميت. ونفت روسيا مراراً الاتهام وزعمت أن المعارض الروسي لم يكن لديه أي آثار لغازات الأعصاب في جسده أثناء وجوده في البلاد، وأنه إذا تسمم بغاز أعصاب من نوع نوفيتشوك، فلا بد أن هذا حدث بعد مغادرته الأراضي الروسية.

نقلا عن "إندبندنت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.