.
.
.
.

حلم عودة العراق!

حسين شبكشي

نشر في: آخر تحديث:

قالوا قديماً إن حضارات مصر والشام والعراق، هي السجل التاريخي المدون لمهد الإنسانية. ومع الأسف تنشأ أجيال تلو الأجيال لن تعرف من الشام والعراق إلا الصورة السيئة لواقع مؤلم. والعراق صاحب التاريخ التليد والماضي المجيد، أرض بابل وسومر والعباسيين. مهد شريعة حمورابي البابلية، أول منظومة حقوقية منظمة عرفتها البشرية، مكونة من 282 مادة قانونية شكلها الملك حمورابي سادس ملوك بابل الذي حكم 42 عاماً بدءاً من عام 1792 قبل الميلاد، وهي أيضاً بلاد ملحمة غلغامش أحد أهم النصوص الأدبية التي عرفتها الإنسانية في التاريخ، وهي نتاج الحقبة السومرية المهمة.
خرج من العراق العلماء، والحكام والفقهاء، وكان دوماً واحة التعايش والتسامح والتعددية، ومع الوقت تحول إلى أهم مصادر الأدب والفنون والفكر في العالم العربي بأكمله. ولكن منذ الانقلاب عام 1958 في العراق، وأحواله لم تعد تسر، وأصبح يدخل في دهاليز المجهول مع كل منظومة حكم. انقلب العراق على نفسه، وأصبح طارداً لعقوله الجبارة وقدراته الاستثنائية، وانقلب المجتمع على نفسه عبر الزمن، لتحصل الصراعات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، فيختفي الوجود اليهودي، ويتقهقر الوجود المسيحي، ويضمحل الوجود الصابئي والإيزيدي، ويتزعزع الاستقرار الكردي، ويزداد الشرخ بين السنة والشيعة. سلسلة دموية من التخوين ورفض الآخر باسم الكل ولصالح الكل. في ذبح العراق الممنهج لم يتبق بريء.
انتهيت منذ مدة من قراءة كتاب ممتع بعنوان «آخر ملوك شانغهاي: صراع السلالتين اليهوديتين الذي ساهم في تكوين الصين الحديثة»، وهو يحكي عن المنافسة الشرسة والعنيفة بين عائلتين تجاريتين عراقيتين يهوديتين، هما ساسوون وقدوري اللذان شكلا البنية الأساسية للتجارة العالمية في مدينة شانغهاي ومنها للعالم (على سبيل المثال أسس قدوري فندق بنينسولا في هونغ كونغ، الذي تحول بعد ذلك إلى إحدى أهم السلاسل الفندقية الفخمة في العالم).
ويشير المؤلف إلى أن عميدي الأسرتين «نقلا تجربتهما التجارية المميزة وخبرتهما الفريدة من العراق إلى الصين»، هكذا كان العراق ملهماً للعالم، ومصنعاً للأفكار ولقدرات الإنسان. كيف لا وهو نتاج حضارات متتالية على أرضه من عمر الزمان.
في كتابه الأخير: «شجرة قابيل: العراق أم واحدة وأزواج كثيرون»، يقدم الكاتب العراقي إبراهيم محمود، تشريحاً عاطفياً لتاريخ العراق السياسي والاجتماعي، ويصف الواقع الحالي بشكل صادم ومؤلم بقوله: «بين وضعية شعوب، أمم، جاءته من كل فج عميق، رغبة في الإقامة فيه، والخروج منه، كما لو أنه أرض ممسوسة تنال من كل من يقيم فيها، يكون العراق»، وصف شديد القسوة، وعلى ما يبدو فإن صورة الواقع المؤلم لا تساعد كثيراً على تغييره.
عندما حط المحامي موهانداس كي غاندي في الهند، قادماً من جنوب أفريقيا جاء محملاً بالأحلام والآمال من دون تمييز ولا عنصرية ولا طائفية. هكذا كان يؤمل العراقيون أنفسهم بعد عام 2003، مع العائدين من «الخارج»، ولكن ذاب كل ذلك مع تفشي وانتشار طيور الظلام على سماء العراق. قدر العراق أن يكون فضاء حضارياً لا يمكن «تضييقه» ليساع مقاس البعض. قدره أن يبقى رحباً وواحة لكل من يقصده، وأن يكون تطبيقاً عملياً لفلسفة الدين لله والوطن للجميع.
بعد العراق الجغرافي يحتم علاقات استثنائية ومميزة مع محيطه العربي، فهذا أيضاً قدره وأن يكون هذا الهدف من التفكير الأضيق الذي يسيطر على الخطاب السياسي بنكهته الطائفية المنفرة. عودة العراق قوياً مسالماً بصحة اجتماعية وقوة اقتصادية من صالح المحيط العربي بأكمله، فلقد عانت المنطقة عندما كان العراق يهتم بالقضاء على غيره أو أن يستغل لصالح غيره.
في كتابه المهم: «إنقاذ العراق: إعادة بناء أمة محطمة» يقول رائد العمل الاستثماري في العالم العربي المصرفي العراقي الراحل نمير قيردار، إن الرهان هو على الجيل الجديد من العراقيين القادرين على استعادة المجد القديم، لأن العراقي قادر على النجاح والتسامح بالفطرة، ولكن هناك أجيالاً من العراقيين سمحت بظروف خارجية من خطف قراراتهم.
عودة العراق إلى وضع سوي وقوي هو خير عظيم للمنطقة بأسرها، وكل الأمل أن يكون القرار في ذلك عراقياً خالصاً.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.