.
.
.
.

الشوارع.. تتكلم عربى!

عباس الطرابيلي

نشر في: آخر تحديث:

هل نقول: الشوارع تتكلم.. أم كما غنى وقال الشيخ سيد مكاوى «الأرض بتتكلم عربى».. أم الشوارع الناطقة؟.. كل هذا يجوز، إذ مع وجود ١٠٠ مليون تليفون محمول مع المصريين الآن، وأن الكل يستخدمون هذا المحمول فى هواية كل المصريين وهى «الرغى» فيما لا يفيد.. مع وجود هذا المحمول أصبحت شوارعنا تتكلم.. وبصوت عالٍ.. بل إننى وأنا أسكن فى شقة فى الطابق الخامس أسمع، بوضوح شديد، كل هؤلاء المتكلمين فى محمولهم فى الشارع!!، وكأن «الشغل شغال» عال العال.. ولا يمكن تأجيلها إلى أن نصل إلى مكان مغلق، بل الكل بات يتكلم.. وخلاص، والكل يخشون هنا أن تتوقف مصالحهم.. وما هى بمصالح حقيقية، لأن الحديث، إذا حللته وجدت الهيافة ذاتها.. مجرد أحاديث مرسلة.. وحكاية أم حسن أو الست باتعة أم الخير!!، وأحيانًا تسمع من تروى لك آخر نكتة!!.

ونسى كل هؤلاء أن هذا المحمول عندما تم صنعه كان هدفه إنهاء المصالح التى لا يمكن تأجيلها لحين الوصول إلى البيت أو المكتب.. وهذا بالطبع فى مصلحة شركات المحمول.. لأن كله مدفوع.. يعنى بالثمن. وما أكثر قضايا الرغى!.. وبعد أن كان الناس يهوون الرغى على المقاهى أو بين سحب أنفاس الشيشة - لعنها الله ولعن صانعها ولعن من أدخلها إلى بلادنا- بعد أحاديث المقاهى، أصبح لكل مصرى «مقهاه» الخصوصى، أى يتحدث فى هذا المحمول عمّال على بطال.. والمضحك.. بالصوت العالى!!.

ويا ليت المصرى يستغل هذا المحمول فيما يفيد.. أو عند الضرورة.. حتى لا يهدر المصرى أمواله فى أحاديث اللت والعجن.. وإذا كانت الشوارع باتت تتكلم عربى ويستحيل أن تجد حديثًا بلغة أجنبية، لأن الأجانب يعرفون قيمة الوقت.. وقيمة كل شىء.. ولكن المصريين حولوا وسائل المواصلات العامة إلى «محدتة».. يعنى تجد الكل يتحدثون فى الأتوبيسات.. وتحولت عربات المترو إلى كشف أسرار الكل.. ولم يعد لأحدنا أسراره يحتفظ بها بنفسه.. بل كانت كل هذه الأسرار على لسان الكل!!. ولا عزاء لأسرار الناس.

حتى الأطفال أخذوا أيضًا يستخدمون المحمول فى متابعة الدروس والحكايات، وأيضًا تدبير المقالب لبعضهم البعض.. طيب: أنام أنا إزاى فى عربة المترو وهى تنطلق فى جوف الأرض!! وهكذا باتت أسرارنا على كل لسان: فوق الأرض، وداخل الأتوبيسات.. وفى عربات مترو الأنفاق!!.

■ ■ ولا نعرف هل أصبح المحمول وسيلة عمل، أم لتسهيل الحياة وحل مشاكلها؟!، ولكننا بذلك - وهكذا دائمًا - نأخذ من أفضل الاختراعات أسوأ ما فيها.. ترى: هل نطالب الحكومة بفرض ضريبة على من يتحدث فى الشوارع من هؤلاء هواة الرغى.. أم نعتبرها نوعًا من الإزعاج ونعلق على الشوارع والنواصى لافتات تطالب الناس بالكفّ عن الضوضاء؟.. وهل هناك أسوأ من ضوضاء المتكلمين فى الشوارع عبر هذا المحمول اللعين أو الملعون؟!. ولكن أفضل هذه الأحاديث هو أن تسمع من تسأل: إنت هتاكلى إيه النهاردة؟!.. والمشكلة أن المحشى هو الحديث المفضل عبر المحمول.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.