.
.
.
.

الغنوشي وأيام السودان... قصة يكلّلها الكثير من الغَبَش

أحمد نظيف

نشر في: آخر تحديث:

ما زال السودان يفكك تركة عمر البشير الثقيلة. منذ رحيله القهري عن السلطة في أعقاب ثورة امتدت لشهور، دأبت السلطات الجديدة على اتخاذ قرارات تنقض بها ركاماً كبيراً من السياسات التي سار عليها الرجل مدعوماً بـ"الحركة الإسلامية"، ودارت كلها حول قضية "التمكين" والسيطرة على مفاصل الدولة. وآخر القرارات هي سحب الجنسية من المئات الذين تمتعوا بها من خلال علاقات قرابة أو سياسية مع نظام البشير أو بطرق غير قانونية كالرشوة والمحسوبية.

وفي الخبر الذي نقلته إذاعة فرنسا الدولية منذ يومين، سحبت السلطات السودانية 3548 جواز سفر منحها نظام عمر البشير لشخصيات مؤثرة من بينها رئيس "حركة النهضة" رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي. وبحسب المصدر ذاته، فإن السلطات السودانية الجديدة قامت بإعادة فحص نظام الحصول على الجنسية الذي قام بوضعه عمر البشير، والذي تم عزله عن الحكم بعد أشهر عدة من الاحتجاجات والانتفاضات المدنية في 2019. وتم للغرض تشكيل لجنة لفحص جوازات السفر الصادرة في عهد البشير، بعد أن تبيّن أن البعض من هذه الجوازات تم الإتجار بها مقابل مبلغ يتراوح بين 10 آلاف دولار إلى 15000 دولار. وقالت إذاعة فرنسا الدولية إنه منذ سقوط عمر البشير، تعيد السلطة الجديدة فحص نظام الحصول على الجنسية الذي كان يمارس منذ ثلاثين عاماً في ظل النظام القديم، حيث تم منح العديد من جوازات السفر لمصالح سياسية أو دبلوماسية أو مالية. وأشارت إلى أنه تم إلغاء جوازات السفر بسبب مشاكل أمنية أو صحية مع حامليها، أو بسبب الحصول على المستند بطريقة احتيالية.

لكن رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي لم يعلق على الموضوع، مفضلاً كعادته تجاهل ما ينشر حوله والتركيز على إطار السياسات "التمكنية" ذاتها التي كان صديقه عمر البشير يسلكها مدعوماً بجاه الشيخ حسن الترابي وجهازه الحزبي والخاص من داخل الشيخ لسنوات، قبل أن تفرق بينهم السلطة ذات رمضان من عام 1999 في غفلة من القدر.

أقام الإسلاميون التونسيون علاقات تاريخية مع نظرائهم في السودان منذ سبعينات القرن الماضي. كان السودانيون يملكون خبرات تنظيمية تفوق ما يملكه عناصر حركة الاتجاه الإسلامي، بخاصة في مستوى العمل النسوي والطالبي، ولذلك كانت التجربة السودانية حاضرة بقوة في تنظيم عمل النساء والحركة الطالبية الإسلاموية التونسية، بل إن عدداً من قيادات الاتحاد الطالبي الإسلامي وطلبة "النهضة" كانوا يقومون برحلات إلى الخرطوم لاكتساب الخبرة والتجربة من نظرائهم السودانيين، خصوصاً في ما يتعلق بمواجهة الخصوم اليساريين في الجامعة. وكان الحزب "الشيوعي" السوداني في أيام عزه أكبر تهديد لحسن الترابي ورفاقه في الجامعات والنقابات وفي الجيش.

كانت "حركة النهضة" عندما بدأت في التخطيط لانقلاب 1987، وكانت حينذاك تسمى "الاتجاه الإسلامي"، قد وضعت مخططها على شاكلة ما حدث في السودان بعد انقلاب سوار الذهب وتنحية جعفر النميري، حتى أن صالح كركر، القائد الأعلى للمجموعة الأمنية (الجهاز الخاص للنهضة)، قال مع مغادرته البلاد وانكشاف مخطط المجموعة خريف العام 1987: "لم يكن تحركنا من أجل الاستيلاء على السلطة، فقد كان ذلك مستبعداً، ولكن من أجل استبعاد بورقيبة ،لأنه كان قد أصبح مجنوناً، وإعادة السلطة السياسية إلى الدولة، وكان هذا في الواقع السيناريو على الطريقة السودانية، على طريقة سوار الذهب". كانت الحركة لا تريد، بانقلاب تشرين الثاني (نوفمبر)، الصعود إلى السلطة ولكنها كانت تريد الحكم، وهنا تكمن المفارقة. لذلك سعت إلى إقناع رئيس الوزراء محمد مزالي بتولي الأمور ووعدت بدعمه، وكانت واثقة بأن أول انتخابات ستنظم ستكون السلطة من نصيبها، لكن مزالي رفض. ثم حاولت إقناع الوزير السابق أحمد المستيري، في سيناريو مشابه لما وقع في إيران: يتم إخراج المستيري إلى دولة مجاورة ويعلن كزعيم للمعارضة وتنطلق المسيرات والتظاهرات في الشوارع ويتحرك الجهاز الخاص، حتى يسقط النظام. لكن المستيري رفض هو الآخر. وفقدت الحركة أي أمل في العثور على "سوار الذهب". كانت الحركة قوية يومئذ، وكانت السلطة أقرب إليها من حبل الوريد، وكان النظام يترنح، وكان الشعب مرعوباً من المستقبل، وكان العالم يتفرج.

بعد لجوء "حركة النهضة" إلى السودان توطدت علاقة الغنوشي بالترابي. كان الترابي ذا تكوين غربي في القانون، واسع الاطلاع، وصاحب مواقف يعتبرها "الإخوان المسلمون" التقليديون شاذة وغريبة، خصوصاً في ما يتعلق بالمشاركة النسوية. في تلك الفترة بدأ الغنوشي والترابي في اتخاذ مواقف قريبة من الأنظمة القومية، والتقطا معاً دعوة مركز دراسات الوحدة العربية لعقد المؤتمر القومي الإسلامي. وقد عمقت حرب الخليج الثانية هذا الاتجاه، بعد أن تحولت الخرطوم إلى منصة للمعادين للحرب على العراق. وفي الخرطوم خطب راشد الغنوشي مهدداً باستهداف المصالح الأميركية، إذا حاولت واشنطن ضرب العراق. ولم يفعل شئياً. وكذلك بدأ الرجلان في فتح قنوات تواصل مع نظام حافظ الأسد، على الرغم من الانتقادات التي لحقتهم من نظرائهم في جماعة "الإخوان المسلمين" السورية.

بعد عقود من تلك التجربة يسقط نظام عمر البشير، تحت ضربات الثورة، من دون أن يتحسر عليه إخوة الأمس من "حركة النهضة". لكن الحركة لم تكشف حتى الآن عن موقفها مما حدث في السودان، فيما بدت أصوات من داخلها تتحدث بهمس عن الفوارق بين البشير والترابي، وكيف أن البشير أساء للحركة الإسلامية، مع أن الفريق البشير لم يكن إلا امتداداً لحكم "الجبهة الإسلامية القومية"، التي تسلمت بلداً مترامي الأطراف في عام 1989، وافر الثروات، شديد التنوع، ليتحول بعد ثلاثة عقود إلى دولة مقسمة بين الشمال والجنوب، نمت في جسدها أمراض التفرقة الدينية والعرقية والمناطقية وهجرها شبابها ونساؤها نحو المنافي ومخيمات اللجوء.

* نقلا عن "النهار العربي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.