.
.
.
.

تركيا وهي تدفع ثمن مغامرات أردوغان

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

تركيا دولة شريرة، فهي تحارب من غير أن تكون مضطرة للقيام بذلك. وهي تعرض نفسها للعقوبات التي يمكن أن تطيح باقتصادها الذي هو في وضع سيء من غير أن تكون قادرة على الرد على تلك العقوبات بالمثل.

لم تكن تركيا كذلك يوم كانت هناك دول قوية قائمة في المنطقة. لقد أغرتها الانهيارات السياسية التي شهدتها دول المنطقة بإظهار ما كانت تخفيه من شعور بالتفوق فعبرت عن ذلك الشعور بسلوك لا يتسم بالحكمة وليس فيه شيء من الوعي السياسي المسؤول.

فإذا كانت إيران قد اندفعت في التوسع مدفوعة بنظريتها عن تصدير الثورة فما الذي يدعو تركيا إلى الزج بنفسها في حروب الجيران وهي دولة كان القطاع الخاص قد حقق فيها نوعا من الطفرات الاقتصادية وبالأخص على مستوى الصناعات الغذائية في مرحلة ما قبل تلك المغامرات التي بدا رجب طيب أردوغان وكأنه يمثل دور البطل فيها؟

ألم يكن نجاحها الاقتصادي والسياحي كفيلا بأن يجعلها تغض الطرف عن المغامرات العسكرية وهي البلد الذي شهد في الماضي غير مرة انقلاب العسكر على الحياة المدنية؟

كان من الممكن أن يستثمر أردوغان ذلك النجاح الذي هو نتيجة الجهد الذي بذلته الحكومات التي سبقت حكومته وبان حصاده في عهده ليقدم تركيا باعتبارها دولة ناجحة تستحق أن ينظر إليها الاتحاد الأوروبي بعين واسعة من أجل أن يعيد النظر في الطلب الذي قدمته من أجل الانضمام إليه.

ولكن أردوغان شخصيا لم يكن راغبا في حقيقة موقفه أن تنضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. فهو لا يرغب في أن يقف تحت مظلة الشروط الأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان والارتباط بالجماعات الإرهابية.

بدأت تركيا حروبها الإقليمية المحدودة في شمال العراق بعد احتلاله مباشرة عام 2003. كانت الحجة يومها أن هناك حاجة لمطاردة ميليشيا حزب العمال الكردستاني وهو حزب تركي معارض يتخذ أفراده الأكراد من المناطق التي يحكمها الأكراد العراقيون مواقع للهجوم على الأراضي التركية.

كان العراق يومها ضعيفا وكانت الحجة مقنعة.

تكرر الأمر في سوريا بعد عام 2011. لقد تم استضعاف النظام السوري وكانت تركيا ممرا لكل فصائل التنظيمات الإرهابية غير أنها لم تكتف بذلك، بل دخلت بجيشها لتحارب هناك من أجل فرض منطقة آمنة داخل سوريا.

في سوريا كان الوضع مختلفا. لقد اصطدمت تركيا بروسيا هناك وتمت تسوية الأمر لكن من غير أن تتم مساءلة الطرف التركي عن سبب وجوده العسكري على الأراضي السورية. كان لدى تركيا ما تقوله في ذلك المجال. شيء ما شبيه بحجتها في العراق.

ولكن ذهابها إلى ليبيا لا حجة في الدفاع عن النفس يمكن أن تغطيه.

وقبل ليبيا يمكننا أن نلقي نظرة على أوضاع الليرة التركية في ظل عدد من المغامرات التي خاضتها تركيا وهي تتحدى الدول الكبرى. لقد انهارت الليرة وصار الاقتصاد التركي يترنح. أما حين تمت مقاطعة البضائع التركية في عدد من الدول العربية فإن الكثير من شركات القطاع الخاص تعرضت للإفلاس.

كان واضحا أن تركيا لم تعد تلك الدولة التي يعتد بها على مستوى احترامها للقانون الدولي. فالذهاب إلى ليبيا من أجل الاشتراك في الحرب هناك بمرتزقة سوريين إنما يمثل رغبة أردوغانية لا علاقة لها بمصالح تركيا.

صار علينا أن نقول إن تركيا شيء وأردوغان شيء آخر.

أردوغان هو نتاج المطبخ الإخواني. ما يقرره التنظيم العالمي للإخوان المسلمين يفعله أردوغان. وهو يستغل في ذلك صلاحياته رئيسا لتركيا. ذلك ما أوقع الشعب التركي في شباك المؤامرة الإخوانية.

ولأن أردوغان لا يمكن أن يتخلى عن الحكم إلا لخليفة إخواني لم يختره حتى الآن فإنه سيكون في ما تبقى لديه من الوقت ماهرا في اللعب على مستوى التصدي للعقوبات التي ينتظرها من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

غير أنه لن يتصرف بالطريقة الغبية التي تصرف بها الإيرانيون.

سيكون لينا هذه المرة. فلا أحد يلهو. لا لأن الوضع في المنطقة في أسوأ أحواله حسب بل وأيضا لأن أوروبا والولايات المتحدة تعيشان مرحلة انتقالية لا تسمح بالكثير من العبث.

إن أخطأ أردوغان في فهم تلك التحولات فقد تكون العاقبة سيئة على تركيا. ستدفع تركيا بطريقة ظالمة ثمن المغامرة الأردوغانية. وذلك ليس مستبعدا في ظل حالة الحياد التي يعيشها الجيش التركي.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.