.
.
.
.

التواصل الاجتماعي في "موسوعة ستانفورد"

فهد بن سليمان الشقيران

نشر في: آخر تحديث:

يبدو التطور المذهل في مجال السوشيال ميديا أكبر مما يظنّ البعض؛ التطبيقات المتجددة، والفضاءات التي لا تكفّ عن الاتساع تجعل الانتقال من الإدانة إلى الفهم ضرورية.

منذ «فيسبوك» و«تويتر» وإلى «إنستغرام» ثم «سناب شات» وحتى موجة «التيك توك» الجارفة حالياً والحالة النقدية مشغولة بمعايير المثقفين التقليدية المتعلقة بالتفاهة مقابل الرصانة، لكن من دون الانشغال بفهم الظاهرة بموضوعها الأعم من حيث علاقاتها، والأشكال التي تخلقها، والشبكات التي تنسجها.

علاقة الريبة بين الإنسان والتقنية ليست حديثة، يخاف الإنسان منذ البداية أن تتسيد التقنية عليه، وأن يكون منصاعاً لها، كتب نيتشه منتقداً «عصر الآلات»، ولاحقاً حاضر هيدغر عن «التقنية» ووصفها بـ«ميتافيزيقا العصر».

من المواد المثيرة للاهتمام النص المترجم لشانون فالور ضمن موسوعة ستانفورد للفلسفة بعنوان «التواصل الاجتماعي والأخلاق»، نشره موقع «حكمة» الفلسفي، وترجمتْه رنا الحميدان، وراجعه عبد الله البريدي. المادة أهميتها في التناول الفلسفي عبر التاريخ لشبكة الإنترنت وعلاقاتها بالإنسان، وارتباطاتها الأخلاقية. الموضوع تجاوز الإدانة الحزينة الدرامية كما فعل الكَنَدي آلان دونو في كتابه «نظام التفاهة»، ليصل إلى البعد المطلوب والتناول المفيد لظاهرة السوشيال ميديا وتطبيقاتها منذ بواكيرها في الإنترنت التقليدي، وحتى الثورة الحالية عبر الأجهزة الذكية واللوحية.

حتى إن تضمنت المعالجة دق نواقيس تبدو ذات بُعد وعظي، لكن الأهم بالنسبة إلى الباحث العثور على المفارقات الأخلاقية. لذلك جاء في المبحث أن «أحد المخاوف ذات الصلة هي مفارقة الخصوصية»، حيث يبدو أن تصرفات المستخدمين التطوعية عبر الإنترنت تتناقض مع قيمهم المعلنة بشأن الخصوصية. وتثير هذه الظواهر العديد من المخاوف الأخلاقية، والتي قد يكون أكثرها عموميةً هو: كيف يمكن استخدام المفاهيم المعيارية الثابتة لقيمة الخصوصية لتقييم ممارسات «SNS» التي تزعزع استقرار تلك المفاهيم ذاتها؟ وفي الآونة الأخيرة، ومن خلال العمل الكتابي المتأخر لـفوكو اكتشف الطريقة التي يتجسد بها نموذج «الإدارة الذاتية» لحماية الخصوصية عبر الإنترنت في ممارسات «الإشعار والموافقة» القياسية التي تعزز فقط المفهوم النيوليبرالي الضيق للخصوصية، ولأنفسنا، كسلع جاهزة للبيع والتبادل.

الارتباك الذي سببته السوشيال ميديا لا يقتصر على زلزلة الخصوصية، والهوية، ومعاني الصداقة، وتمجيد الوحدة، وإنما تتناول موقع الإنسان من تاريخه هو، لذلك فإن السوشيال غيّرت من قيم العمل، وزادت من وتيرة الشره والاستهلاك، وأضعفت من جوانب كانت محل اهتمامٍ عامٍّ من بينها الفضائل المتوارثة مثل الصمت، وانتقاء الكلمات، والتأنق بالظهور، لتتحول التطبيقات إلى نوافذ مشرعة للتلصص على الآخرين، ونشر عته الذات، أو الاغتباط بالمعاتيه الآخرين.

لذلك يناقش بحث ستانفورد موضوع «المخاوف» الأخلاقية المعاصرة، ويرد فيه: «بينما تميل المعرفة في العلوم الاجتماعية والطبيعية إلى التركيز على تأثير خدمات الشبكات الاجتماعية على المؤشرات النفسية والاجتماعية للسعادة - للرفاهية، أو التكيف النفسي الاجتماعي، أو رأس المال الاجتماعي، أو الشعور بالرضا عن الحياة، فإن المخاوف الفلسفية حول الشبكات الاجتماعية والأخلاق تركز بشكل عام على موضوعات أقل قابلية للقياس التجريبي (على سبيل المثال، الخصوصية، والهُوية، والصداقة، والحياة الجيدة، والحرية الديمقراطية). ترتبط المواضيع المتعلقة (برأس المال الاجتماعي) أو مشاعر (الرضا عن الحياة) ارتباطاً وثيقاً بالاهتمامات التقليدية للنظرية الأخلاقية (مثل: الفضائل، والحقوق، والواجبات، والدوافع، والعواقب)، كما ترتبط هذه الموضوعات أيضاً ارتباطاً وثيقاً بالسمات الجديدة والوظائف المميزة لـخدمات الشبكات الاجتماعية، أكثر من بعض القضايا الأخرى ذات الأهمية في أخلاقيات الحاسوب والمعلومات التي تتعلق بوظائف الإنترنت العامة (على سبيل المثال: قضايا حقوق النشر والملكية الفكرية)».

أكثر ما يشوش على الناس في علاقتهم بالسوشيال يرتبط بموضوعين، الأول: مستوى الخصوصية الذي يختاره الإنسان، وكيفية انتقائه ما يود إطلاع الآخرين عليه. لدينا تطبيق ثوري جديد وهو «تيك توك»، يتجاوز جميع ما سبقه من تطبيقات من حيث هدم الحدود، وكذلك ما يراه بعض المثقفين «التفاهة» لأن مليارات الفيديوهات تسيل مثل الموج بشكل غير مترابط، ولا يجمع بين الفيديو والآخر أي شيء، إنها ليست تدميراً للخصوصية فقط وإنما هدم لأي معيار يعتزم أهل التربية والثقافة وضعه تجاه موجات السوشيال. والآخر: ضرب الهوية، والشتات الذي تضْمنه السوشيال لنجومها من كبار المستخدمين، إذ سرعان ما يتحول تلقائياً إلى ترس في آلة التقنية هذه، ويعاد رسم هويته وشكله وطرحه، وربما إنْ كان أكاديمياً أو مثقفاً يتحول تدريجياً إلى شخصٍ معتوه متقافز حسب المجال التقني الذي يتحرك فيه.

عطفاً على هذين السببين، يحيلنا المبحث المهم إلى ملاحظة أساسية إذ: «تفتح تقنيات الشبكات الاجتماعية نوعاً جديداً من الفضاء الأخلاقي، حيث تُنشأ الهويات الشخصية والمجتمعات (الحقيقية) والافتراضية، وتقديمها والتفاوض بشأنها وإدارتها وتنفيذها. وفقاً لذلك، قام الفلاسفة بتحليل وسائل التواصل الاجتماعي من حيث استخداماتها كـ(تقنيات الذات) الفوكوية، التي تُسهَّل بناء الهوية الشخصية وأداءها، وذلك من حيث الأنواع المميزة للمعايير المجتمعية والممارسات الأخلاقية التي تولّدها خدمات الشبكات الاجتماعية».

في الواقع الافتراضي يُطرح مفهوم آخر للصداقة، «فيسبوك» يقترح عليك «صديقاً جديداً»، المعنى يختلف عن الصداقة بمعناها في تاريخ الإنسان، ويشير البحث إلى أن ذلك الأمر يتصاعد: «لا تزال هناك مخاوف أخلاقية مستمرة بشأن الطريقة التي يمكن أن تصرف بها خدمات الشبكات الاجتماعية انتباه المستخدمين عن احتياجات أولئك الموجودين في محيطهم المادي المباشر».

مبحث ستانفورد الفلسفي يعطي القارئ فرصة للاطلاع على تحليلٍ فلسفي معمق لظاهرة السوشيال ميديا، تحليل يتجاوز خطاب المثقفين المتآكل عن هذه الظاهرة، ليفتح مجالاتٍ محورية يمكن الانطلاق منها بُغية الفهم لا العويل والنواح.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.