.
.
.
.

هل يجعل أردوغان تركيا "عظيمة مرة أخرى"؟

ياوز بيدر

نشر في: آخر تحديث:

بدا الرئيس رجب طيب أردوغان هادئا بشكل غير طبيعي في الأيام التي سبقت قمة الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي، والتي كان من المقرر أن يناقش فيها قادة التكتل العقوبات ضد تركيا.

وصرّح للصحافيين في 9 ديسمبر قبل أن يتوجه إلى أذربيجان بأن “عقوبات الاتحاد الأوروبي المقترحة على تركيا لن تمثّل مشكلة كبيرة بالنسبة لنا”.

ومن المرجح أنه كان يعلم، بعد سلسلة من الأحاديث السرية أو عبر المخابرات، أن حكومته تواجه مجرد نمر من ورق. وكان على حق رغم المنتقدين الذين يؤكدون أنه يزداد دكتاتورية كل يوم.

وكتب المحلل البارز، جنكيز جنادر، وهو زميل أقدم في المعهد السويدي للشؤون الدولية “أشارت نتائج قمة الاتحاد الأوروبي إلى أن الأتراك والعديد من المحللين غير الأتراك الذين ينتقدون أردوغان لأسباب مشروعة يميلون لتمني رؤية الرئيس التركي خاسرا في تحركاته السياسية الحازمة”. وأكد أنه لا داعي لبذل الجهد لإخفاء الحقيقة. فقد تحدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتحاد الأوروبي وفاز.

ليس إعلان الاتحاد الأوروبي الفاتر للعقوبات أكثر من مجرد مادة لغرفة الصدى. ورغم توسيعه في الإجراءات التي تهدف إلى إحداث ثغرات في الشحن والبنوك والطاقة والتجارة في تركيا، ليس من الواضح ما إذا كانت ستُعتمد بعد مارس 2021 في ظل الوضع الراهن.

يمكن أن يفسر هذا سبب ظهور أردوغان واثقا قبل الإعلان. فهو يعرف الاتحاد الأوروبي ويرى نقاط ضعفه مثل جهاز الأشعة السينية. كما حرص على أن تظل الكتلة المكونة من 27 عضوا معتمدة على تركيا (كرهينة) على مستويين.

وجدت ألمانيا، العملاق الاقتصادي ذو السياسة الخارجية المحدودة والخوف من تدفق محتمل آخر للاجئين، مأوى في الحجة القائلة إن إدارة بايدن هي التي يجب أن تواجه المشكلة. وأحبطت فرنسا بما جعلها أكثر تساهلا. استسلمت النمسا. وبقيت إسبانيا وإيطاليا وبلغاريا ومالطا التي ظلت غير متحركة لفترة طويلة.

ثانيا، كان التردد، الذي يبقى حماقة ذات أبعاد تاريخية، ناتجا عن أسباب اقتصادية.

في مقال بعنوان “أردوغان يتحدّى: أرجوكم عاقبوني”، أشار الصحافي والكاتب والمحلل بوراك بكديل إلى تقرير مهم نشرته مؤخرا صحيفة دي فيلت الألمانية اليومية، والذي قال إنه إذا انهار الاقتصاد التركي (وهو أمر محتمل جدا)، فقد ينجر عن ذلك تأثير مضاعف شديد على أوروبا.

يجب أن تخشى المؤسسات المالية الأوروبية انهيار تركيا. إذ لا يزال الكثير منها منخرطا في البلاد بالمليارات من اليوروهات. ولدى الغرب الكثير ليخسره. وذكر المقال أن هذا يجعل العقوبات أكثر صعوبة ويعزز موقف الرئيس أردوغان الاستبدادي. وجاء فيه “هذه هي البنوك الأوروبية التي، حتى بعد أربع سنوات من الأزمة التركية المستمرة، لا تزال منخرطة في تركيا باستثمارات بالمليارات من اليوروهات. سيتعين على المؤسسات المالية الغربية أن تخشى حدوث انخفاض خطير في قيمة العملة إذا دخلت البلاد في أزمة واسعة النطاق في ميزان المدفوعات”.

كما كتب يقول “إن العقوبات على تركيا وانهيار الاقتصاد التركي يهددان المؤسسات المالية الإسبانية بما يعادل 62 مليار دولار. ويصل المبلغ إلى 29 مليار دولار بالنسبة للبنوك الفرنسية، و12 مليار دولار للبنوك البريطانية، و11 مليار دولار للبنوك الألمانية، و8.7 مليار دولار للبنوك الإيطالية. وهذا يعني أن المقرضين من خمس دول في الاتحاد الأوروبي معرضون لخسارة مجتمعة بقيمة 122.7 مليار دولار”.

تتحدث الأرقام عن نفسها، فهي حزام أمان أردوغان أثناء مواصلته لمسيرته دون عوائق، بعد أن شكّلها من خلال “سياسات الإنفاذ” التي تُبقي المنطقة بأكملها في حالة اضطراب. وهكذا، أرسل قادة الاتحاد الأوروبي رسالة يقولون فيها إن حكومته قد تستمر في تحدي الوضع الراهن في شرق البحر المتوسط ​​وإبقاء اليونان في حالة تأهب حتى يتولى بايدن السلطة في 20 يناير على الأقل. وحتى ذلك الحين، من غير الواضح ما إذا كانت الإدارة الأميركية الجديدة ستعطي الأولوية لهذه القضية المتعلقة بالسياسة الخارجية.

كما تزامنت قمة الاتحاد الأوروبي مع ما يعتبره أردوغان وحليفه القومي المتطرف المعادي للغرب دولت بهجلي انتصارا كبيرا في السياسة الخارجية. وأتاح الاحتفال على الطراز العثماني في العاصمة الأذرية باكو الخميس الماضي (بحضور المئات من جنود النخبة الأتراك من تركيا) لأردوغان الفرصة لإظهار رؤيته التي تقدم ذاته كبديل للغرب المتعثر. وقال في إشارة إلى الجيوش العثمانية التي اجتاحت القوقاز خلال الحرب العالمية الأولى “اليوم، أتمنى أن تكون أرواح نوري باشا وأنور باشا والجنود الشجعان من جيش الإسلام في القوقاز سعيدة”.

كان أنور وزير الحرب العثماني خلال الحرب العالمية الأولى وأحد مهندسي الإبادة الجماعية للأرمن. وقاد نوري باشا، شقيق أنور، القوات التي احتلت باكو في 1918 وقتلت حوالي 10 آلاف مدني أرمني كانوا يعيشون هناك.

كانت هناك لحظة فارقة في الدلالة والخطاب: كان هناك كره متبادل بين مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، وأنور. ودائما ما شجب أتاتورك نزعة أنور الطورانية.

يمثل مدح أردوغان لأنور انحرافا تاريخيا عن خصمه أتاتورك، الذي بنى عقيدة طويلة الأمد محورها “السلام في الداخل، السلام في العالم”. ومن المرجح جدا أن يكون هذا تحولا نموذجيا.

سيواصل تكتل أردوغان وبهجلي في أنقرة حرصه على الاستفادة من الفراغ المستمر في المنطقة، وسيبقى واثقا من نفسه من خلال المكاسب التي حققتها أذربيجان في قرة باغ ومتشجعا بتردد الاتحاد الأوروبي.

كان هناك سبب وراء تحديد أردوغان في خطابه بأن “النضال الجاري في المجالين السياسي والعسكري سيستمر من الآن على جبهات أخرى كثيرة”. وكان يشير إلى سوريا وليبيا في بيان أشار إلى موافقة روسيا الهادئة على ما يريد تحقيقه.

قد يكون هناك سبب للاعتقاد أن أردوغان لا يرى مشكلة كبيرة في العقوبات الأميركية المفروضة على الرئاسة التركية للصناعات الدفاعية الاثنين، والتي كانت محدودة النطاق، ونظرا للتردد العام في واشنطن لأهمية تركيا الاستراتيجية، مما قد يخدم صورته المحلية على أنه “بطل مستهدف”.

وقال مؤخرا “عندما يتولى بايدن زمام السلطة، سنجلس ونتحدث عن بعض القضايا. ستكون هناك طرق للتعامل مع الأمور من خلال الدبلوماسية”. ومن المؤكد أن أردوغان حريص على معرفة ما إذا كان بايدن سيغض بصره مثل نظرائه في الاتحاد الأوروبي، وعن أي نقطة سيفعل ذلك.

يشعر أردوغان بالارتياح والتشجيع، ويمضي قدما. ويتخذ خطوات للتحضير لرئاسة بايدن.

أولا، وإدراكا لحقبة جديدة في الشرق الأوسط، عين سفيرا في إسرائيل، وهو منصب بقي شاغرا لمدة سنتين.

ثانيا، أعلن أثناء وجوده في باكو أن تركيا قد تفتح حدودها المغلقة مع أرمينيا.

ثالثا، عيّن سفيرا في باريس معروفا بأنه “قريب” من الرئيس إيمانويل ماكرون.

تلقى أردوغان مساعدة هائلة من حلفائه الغربيين ليصبح أكثر خبثا وتصميما: ويغفر الهوس الغربي بالسياسة الواقعية كل ما كان يفعله للشعب التركي ويخفي الانزلاق السريع إلى الحكم الشخصي والمعاناة الاجتماعية والقمع المتزايد.

تأكد أردوغان أن علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لن تكون كما كانت من قبل. ومع ذلك، سيتم التأكيد على شرعية حكمه. ويبدو في حالة تأهب قصوى لجعل تركيا كما يعتقد “عظيمة مرة أخرى” كقوة عسكرية بعيدة عن الديمقراطية وسيادة القانون، وقوة أوروبية آسيوية تتبع معاملات اقتصادية خبيثة وتتجاهل تطلعات مواطنيها الذين تحولوا إلى منبوذين.

لأردوغان كل الأسباب ليكون ممتنا للدول التي تحاول تمكينه.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.