.
.
.
.

الإعياء الأميركي!

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

أسابيع أخيرة للإدارة القائمة في واشنطن، ومع ذلك فإن السيد دونالد ترمب ما زال ينازع من أجل البقاء، فلأول مرة في تاريخ الانتخابات الأميركية يتابع العالم حلقات تلك الانتخابات حلقة تلو أخرى. كان الوضع السائد بعد أيام الثلاثاء من الأسبوع الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) في السنة الأخيرة للإدارة أن يعرف العالم من هو الرئيس القادم، هذه المرة تابع العالم الانتخابات ثم تابع القضايا المرفوعة تجريحاً فيها، ثم انتهى الاثنين الماضي بمراقبة تسجيل أصوات «المجمع الانتخابي» والذي جرى بعضه بحراسة، ولكن المسلسل لم ينتهِ بانتظار التصويت في الكونغرس في 6 يناير (كانون الثاني) 2021.

يترك السيد ترمب الإدارة وميزان إنتاجه السياسي يميل إلى السالب، ففي معظم الملفات لم يحقق شيئاً يذكر؛ فالخزينة الأميركية التي وعد بضبطها يتركها أكثر عجزاً مالياً مما تسلمها، وعدد الوظائف المتاحة للعمال الأميركيين أقل، والاستيراد من الخارج أكثر، والعلاقات مع الحلفاء الغربيين سلبية ومع الأصدقاء غير واثقة. أما الضرر الأكبر، فهو الانشقاق العمودي بين فئات المجتمع الأميركي الذي وصل الأمر إلى أن حذر كتّاب لهم وزنهم بأن البلد في «حرب أهلية باردة» بسبب ازدراء آلية الديمقراطية. لافت في المسيرة الترمبية طغيان «ثقة الخاسر»! ليس لدى السيد ترمب ومعاونيه المقربين، لكن على قطاع واسع من القيادات الجمهورية.

هذا المشهد يأخذنا إلى مكان أكثر غموضاً هو في الغالب أفول «التفوق» الأميركي كما توقع كثيرون، فالأفول للقوى الكبرى يبدأ من الداخل وليس من الخارج. مع الفارقين الزمني والمكاني، يمكن أن نقارن ما يحدث في الولايات المتحدة بما حدث للإمبراطورية البريطانية بعد «السويس»، انشقاقات في الداخل، وتدهور اقتصادي وخواء في الرافعة المعنوية، قد يكون «العراق» أو «أفغانستان» ما سوف يشير إليه المؤرخون على بدء مسيرة الخواء الأميركي، فيقال كما قيل لبريطانيا بعد السويس، أميركا بعد العراق أو بعد أفغانستان.

ما نشاهد على المسرح السياسي الأميركي هو «مظهر لمخبر»؛ فقد فقدت الولايات المتحدة البوصلة منذ زمن وما أوصلها إلى هذه النتيجة مجموعة من العوامل تمظهرت في طريقة حكم «أوباما وترمب»، ولو جاء الاثنان من أطراف سياسية مختلفة، إلا أنهما فقدا بوصلة فهم المتغيرات في داخل الولايات المتحدة وفي العالم. يذكرك ذلك مع الفارق حكم «أنطوني ايدن وهارولد مكملان» اللذين جاءا بعد الحرب العالمية الثانية واعتقدا أنه من الممكن «إرجاع ساعة التاريخ إلى الوراء»! لذلك؛ فإن الملفات التي سوف يورثها ترمب إلى جو بايدن لا يمكن حلها في الشكل، أي بالعودة عن كل أو معظم قرارات الإدارة السابقة في الداخل والخارج.

التحدي على الصعيد الداخلي معالجة الانشطار العمودي في المجتمع الأميركي، ويحتاج إلى جهد ضخم قد لا يتوفر للإدارة القادمة، فحتى على صعيد الحزبين الكبيرين، أي عضو بارز يتعاون مع الحزب الآخر «يعتبر خائناً» على طريقة مجتمعات العالم الثلاث «القبلية»، ولقد كشف لنا السيد باراك أوباما في كتابه الأخير «أرض موعودة»، عن أن ذلك قد حدث بأن أحد الجمهوريين من حكام الولايات احتضنه بسبب نجاحه في علاج الأزمة الاقتصادية عام 2009، فاضطر ذلك العضو إلى أن يترك الحزب جراء النقد القاسي الذي لاقاه. بايدن في حال أسوأ، فإن كان الحزب الجمهوري أكثر تكاتفاً بين أعضائه «بدليل مسايرة معظمهم السيد ترمب في تصوره أنه الفائز في الانتخابات» فإن بايدن يواجه عدداً من التيارات وسط حزبه، والأكثر قوة هو التيار اليساري، والذي وقّع بعض منتسبيه الأسبوع الماضي رسالة تطالبه «بالعودة الفورية» إلى الاتفاق النووي مع إيران!

سوف تتجه إدارة جو بايدن في الكثير من الملفات إلى «سياسة التردد» والمراوحة في المكان بسبب ضعف السند الداخلي بشكل عام «منه الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية»، وبسبب عدم القدرة على الحسم في الوقت الذي تنمو فيه قوى اقتصادية ضخمة تقودها الصين بعد أن وقّع اتفاق الدول الآسيوية الخمس عشرة من أجل «التجارة الحرة» بينها، حتى القيم الغربية تحولت إلى الشرق، فبعد أن كانت فكرة «التجارة الحرة» قادمة من الفكر الليبرالي الغربي «دعه يعمل دعه يمر»، تحولت فكرة «التجارة الحرة» إلى مكان آخر بتطبيق حديث، في الوقت الذي ذهبت فيه النخبة الترمبية إلى شعار مخادع «أميركا أولاً»؛ مما سبب العزلة وانعدام الثقة. يذهب بايدن في تصريحات باستبدال شعار «أميركا تقود» بـ«أميركا أولاً»! أو حسب تعبير بايدن «على رأس الطاولة».. ذلك شعار آخر مضلل، إذ يمكن أن يكون لأميركا مقعد على الطاولة في المجتمع الدولي، ولكن ليس على رأسها!

سيكون الاختبار الأول في السياسة الخارجية الأميركية المقبلة «الملف الإيراني» والسيناريوهات هنا متعددة، فقد يذهب بايدن إلى العودة السريعة إلى ذلك الاتفاق من دون أي تعديل، كما يرى الجناح الأكثر راديكالية في حزبه، وهذا الجناح يرى في نفسه أنه «الموجة العريضة»، بالتالي يعطي إيران الإشارة بأن تعبث في المنطقة تخريباً على ما قامت به حتى الآن من تخريب، ذلك سيناريو محتمل، لكنه غير مؤكد أو يدخل في مفاوضات لإضافة شروط أخرى، على رأسها ملفا «الصواريخ الباليستية» و«التدخل في شؤون دول الجوار»، وفي هذا السيناريو يأخذ الولايات المتحدة في هوة «الابتزاز الإيراني»، الذي لن تنتهي مفاوضاته ولا حتى بعد الأربع سنوات التي من المتوقع أن يبقى بايدن فيها رئيساً. فسقف التقدم هنا محدود جداً نتيجة الهوة العميقة في عدم الثقة بين الجانبين. وإذا انشغلت الإدارة في ملفات أخرى كملف الصين مثلاً وما تمثله من وجهة نظر الإدارة من تحديات، فإن بقاء الملف الإيراني معلقاً هو احتمال أقرب يرى البعض أن الملف النووي الإيراني وإن شكل هاجساً لدى الغرب والولايات المتحدة، إلا أن الأولوية للمنطقة هي «التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية»، وهو تدخل أصاب عدداً من الدول العربية باختلالات من الصعب علاجها، بل إن «الدولة» بمعناها الحديث قد اختفت في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن.

إلا أن «الجائزة الكبرى» التي ترغب إيران في الحصول عليها هي «دول الخليج» كلها أو بعضها! والتردد الأميركي المحتمل قد يشجعها على ذلك. مواجهة ذلك الاحتمال يقود إلى التفكير في استراتيجية الرد، وهي مكونة من عدد من الخطوات تتقاطع وتتساند أساسها أربع، على رأسها أولاً تكوين جدار عربي من الدول التي لم يصبها العطب، جدار واضح ومعلن ويمد يده للقوى الاقتصادية الصاعدة، والثاني عودة بناء الصف الخليجي على أسس واضحة، حيث الخطر لن يوفر أي عضو من هذه المنظومة، والثالث دبلوماسي وفكري في وجود «لوبي» عربي في واشنطن يستخدم كل المتاح لشرح الموقف العربي من القضايا المثارة، أما الرابع فهو في الداخل، أي العمل على بناء نموذج جاد وصحي لبناء الدولة المدنية الحديثة والعادلة. تلك رباعية لا يُستغنى عنها لمواجهة الاعياء الأميركي المحتمل.

آخر الكلام:
تناقض «الموجة العريضة» من الديمقراطيين، حيث إن أصواتهم عالية لبسط حقوق الإنسان في عدد من الدول، ولكن ينتفي هذا الملف عند الحديث عن إيران، وهي من أبشع الدول انتهاكاً لحقوق الإنسان!

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.